حين تحرق الجسور …لا تعود الضفة كما كانت
- 1 مارس
- 2 دقيقة قراءة
علاء التميمي
آذار ٢٠٢٦
أتساءل—بصفتي رجلًا يقرأ السياسة بعين التاريخ—ما الذي تريده إيران يا تُرى من زجّ دول مجلس التعاون الخليجي في حربها مع أمريكا وإسرائيل؟
قد يقول قائل: “إنها لحظة ردعٍ، ولحظة غضبٍ، ولحظة حساباتٍ عسكرية”. نعم، هذا وارد. لكن السياسة ليست انفعالًا عابرًا؛ السياسة ذاكرةٌ تُكتب على جدار الأمن، وما يُكتب هناك لا يُمحى بسهولة.
منطق طهران—كما يبدو—هو توسيع مسرح الكلفة: أن تقول للعالم إن الحرب عليها لن تبقى داخل حدودها، وإنّ من يضغط عليها سيجد الإقليم كله يرتجّ. إنها تريد أن تجعل الخليج “جزءًا من المعادلة” لا “شاهدًا عليها”. تريد أن تحوّل كل نقطة هدوء إلى نقطة توتر، وكل مساحة وساطة إلى مساحة اشتباه.
ولكن المشكلة أن هذا المنطق، حتى لو خدمها في لحظةٍ من لحظات الردع، يُسقط عنها شيئًا أثمن من الردع نفسه: الثقة.
لقد كانت دول الخليج—رغم اختلافاتها مع إيران—تحتفظ بخيطٍ عقلاني يدفع نحو التهدئة: خيط المصالح، وخيط الجغرافيا التي لا تُغيَّر، وخيط الأمل بأن الحوار—ولو بطيئًا—قد ينتج قواعد تعايش. كان هناك تعاطفٌ خليجيٌّ محدود لكنه حقيقي: تعاطفٌ مع فكرة تجنّب الحرب، ومع فكرة أن الإقليم لا يحتمل اشتعالًا جديدًا، ومع فكرة أن لغة العقل لا تزال ممكنة.
لكن حين تمتد النار إلى دول المجلس، يحدث ما هو أخطر من الدمار المادي: يتبدّل معنى الجوار.
الجوار في ثقافة السياسة ليس مجرد حدود، بل عقدٌ غير مكتوب: “لا نُقحِم بعضنا في معارك الآخرين… ولا نُحوّل أمن الآخر إلى ورقة ضغط”. وحين يُنتهك هذا العقد، لا يبقى الخلاف خلافًا سياسيًا؛ يصبح شكًّا في القاعدة نفسها: هل يمكن الوثوق؟ هل يمكن الفصل بين القول والفعل؟ هل يصبح الخليج عند كل أزمة “ساحة محتملة”؟
هنا تحديدًا تُخطئ إيران—في تقديري—تقدير حجم الخسارة.
فإن كانت تظن أنها تكسب نقاطًا في ميزان الردع، فهي في المقابل تخسر رصيدًا من “التعاطف الخليجي” كان يمكن أن يكون جسر تهدئة في أشد لحظات التوتر. وتزرع شكوكًا قد تمتد لسنوات: شكوكًا تجعل أي محاولة مستقبلية لتطبيع العلاقات أصعب، لا لأن البيانات لا تُكتب، بل لأن الذاكرة لا تنسى.
والأهم: أن إدخال الخليج في قلب الصراع لا يدفع دول المجلس إلى التردد، بل يدفعها—بحكم الضرورة—إلى مزيد من التحصين والاصطفاف الأمني والتنسيق الدفاعي. أي أن النتيجة النهائية قد تكون عكس ما تريده طهران: بدل أن تفكك بيئة خصومها، قد توحّدها.
السياسة، في النهاية، ليست اختبار قوة فقط؛ بل اختبار عقل.
والتاريخ يُعلّمنا أن الدول الكبيرة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات الضغط، بل بما تملكه من حكمة استخدام هذه الأدوات دون أن تحرق “مستقبل العلاقات”.
لذلك أقولها بوضوح:
مهما كان جواب سؤال “ماذا تريد إيران؟” فإنها—بهذا المسار—قد خسرت شيئًا ثمينًا: فرصة أن تُعامل في الخليج كجارٍ يمكن تهدئة التوتر معه. وما بعد زرع الشك… ليس كما قبله.
نُشرت هذه الخاطرة ضمن مدونة الدكتور علاء التميمي: www.altamimialaablog.com

تعليقات