هيروشيما وناغازاكي عام 1945… اليوم الذي تغيّر فيه العالم
- قبل يوم واحد
- 4 دقيقة قراءة
د. علاء محمود التميمي
٩ آب/2026
في السادس والتاسع من آب/أغسطس 1945، لم تُدمَّر مدينتان يابانيتان فحسب، بل دخل الإنسان عصرًا جديدًا أدرك فيه، للمرة الأولى، أنه امتلك من القوة ما يكفي ليس فقط لهزيمة خصمه، بل لتهديد وجوده هو نفسه.
مرّت واحد وثمانون عامًا على هيروشيما وناغازاكي، لكن السؤال الذي وُلد تحت سحابتيهما النوويتين ما زال حيًا:
هل أصبح الإنسان أكثر حكمة بقدر ما أصبح أكثر قدرة؟
في صباح السادس من آب/ 1945، أُلقيت القنبلة الذرية الأولى المستخدمة في الحرب على مدينة هيروشيما. وفي لحظات تحولت أجزاء واسعة من المدينة إلى أنقاض، وسقط عشرات الآلاف من البشر، ثم ارتفع عدد الضحايا خلال الأشهر والسنوات التالية نتيجة الحروق والإصابات والتعرض للإشعاع.
وبعد ثلاثة أيام، في التاسع من آب، في مثل هذا اليوم أُلقيت القنبلة الذرية الثانية على ناغازاكي.
لم يكن الموت وحده هو الجديد في تلك المأساة؛ فالحروب عرفت الموت والدمار منذ أن عرف الإنسان الحرب. الجديد كان أن طائرة واحدة، تحمل سلاحًا واحدًا، أصبحت قادرة خلال لحظات على تدمير مدينة وقتل أعداد هائلة من سكانها.
والأكثر إثارة للرعب أن الخطر لم ينتهِ بانتهاء الانفجار.
دخل إلى وعي البشرية عدو لا يُرى بالعين: الإشعاع.
فبعض آثار التعرض للإشعاع لا تظهر فورًا، وإنما قد تظهر بعد سنوات، من خلال زيادة مخاطر بعض الأمراض والسرطانات وغيرها من التأثيرات الصحية. وهكذا لم يعد مفهوم الكارثة مرتبطًا فقط بما نراه من مبانٍ مدمرة وجثث وحرائق، بل بما قد يبقى في الإنسان والبيئة بعد أن يصمت الانفجار.
ومن رحم ذلك الخوف نشأ وعي عالمي جديد بمخاطر الإشعاع. ففي عام 1955 أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة العلمية للأمم المتحدة المعنية بآثار الإشعاع الذري UNSCEAR، لتقييم مستويات التعرض للإشعاع وآثاره ومخاطره على الإنسان والبيئة. وبعد ذلك بعامين، عام 1957، تأسست الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA لتعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتطوير منظومة الضمانات والأمان المرتبطة بها.
لكن هيروشيما وناغازاكي لم تكونا نهاية قصة الخطر النووي.
فخلال العقود التالية شهد العالم سلسلة من الحوادث النووية والإشعاعية: كارثة كيشتم في الاتحاد السوفيتي عام 1957، وحريق ويندسكيل في بريطانيا في العام نفسه، وحادث جزيرة ثري مايل في الولايات المتحدة عام 1979، ثم كارثة تشيرنوبل عام 1986، وصولًا إلى فوكوشيما في اليابان عام 2011.
وكان لكل حادث ظروفه ومستواه وآثاره المختلفة، ولذلك ليس من الدقة العلمية وضعها جميعًا في مستوى واحد. لكنها جميعًا أكدت حقيقة أساسية: أن التكنولوجيا النووية، عندما تفشل أنظمة الأمان المحيطة بها، يمكن أن تتجاوز آثارها حدود المنشأة والمدينة، وأحيانًا حدود الدولة نفسها.
كما عرف العالم حوادث خطيرة أثناء التعامل مع الأسلحة النووية ونقلها. ففي عام 1966 وقع حادث بالوماريس في إسبانيا عندما اصطدمت قاذفة أمريكية من طراز B-52 بطائرة للتزود بالوقود، وسقطت أسلحة نووية كانت تحملها. لم يحدث انفجار نووي، لكن مواد مشعة تسببت في تلوث المنطقة. وفي عام 1968 تحطمت قاذفة أمريكية أخرى قرب قاعدة ثول في غرينلاند وهي تحمل أسلحة نووية، وحدث تلوث إشعاعي دون وقوع تفجير نووي.
لقد تغير حجم الترسانة النووية العالمية كثيرًا منذ ذروة الحرب الباردة. ولم يعد صحيحًا الحديث اليوم عن أكثر من خمسين ألف سلاح نووي كما كان في مراحل سابقة. إلا أن الخطر لم يختفِ.
ففي مطلع عام 2026 كان العالم لا يزال يمتلك أكثر من اثني عشر ألف رأس نووي، وتستحوذ الولايات المتحدة وروسيا على الجزء الأكبر منها. والأسوأ أن العالم يشهد من جديد تحديثًا للترسانات النووية وتطويرًا لأنظمة حملها، في وقت تتعرض فيه بعض آليات الحد من التسلح التي ساهمت لعقود في تقليل المخاطر للضعف والتراجع.
وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات عصرنا.
فالطاقة نفسها التي أظهرت في هيروشيما وناغازاكي قدرتها الهائلة على التدمير، استطاع الإنسان أن يستخدمها أيضًا في مجالات تخدم الحياة.
تُستخدم التقنيات النووية والإشعاعية اليوم في تشخيص الأمراض وعلاج السرطان وتعقيم المعدات الطبية، وفي الصناعة وفحص المواد واللحامات والكشف عن العيوب، وفي التعدين والاستكشاف، وفي الزراعة ومكافحة الآفات وتحسين بعض المحاصيل وحفظ الأغذية، فضلًا عن إنتاج الكهرباء.
وهكذا أصبحت الذرة تحمل صورتين متناقضتين بصورة تكاد تكون فريدة في تاريخ التكنولوجيا:
أداة قادرة على قتل مدينة، وأداة قادرة على علاج إنسان.
وهذا هو الدرس الذي ربما يتجاوز هيروشيما نفسها.
فالمشكلة لم تكن يومًا في المعرفة العلمية بذاتها. الانشطار النووي ظاهرة فيزيائية لا تعرف الخير والشر. لكن الإنسان هو الذي يقرر ماذا يفعل بالمعرفة التي يكتشفها.
ومن هنا فإن السؤال الأخلاقي الأكبر في عصر العلم ليس:
ماذا نستطيع أن نفعل؟
بل:
ماذا ينبغي لنا أن نفعل بما أصبحنا قادرين على فعله؟
وهذا السؤال أصبح في عام 2026 أكثر أهمية مما كان عليه في عام 1945.
فالإنسان الذي استطاع شطر الذرة أصبح اليوم قادرًا على تعديل الجينات، وبناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، وتطوير أسلحة ذاتية التشغيل، وإدارة كميات هائلة من البيانات، والوصول إلى مستويات من القدرة التقنية كان يصعب تصورها قبل عقود قليلة.
وكلما ازدادت قوة التكنولوجيا، أصبحت المسافة بين الخطأ والكارثة أقصر، وأصبحت المسؤولية الأخلاقية والسياسية أكبر.
لهذا فإن هيروشيما ليست مجرد مدينة يابانية تعرضت للقصف قبل واحد وثمانين عامًا، وليست ناغازاكي مجرد صفحة أخرى في نهاية الحرب العالمية الثانية.
إنهما تحذير دائم للحضارة الإنسانية.
لقد أثبت القرن العشرون أن الإنسان يستطيع أن يكون عبقريًا في اكتشاف قوانين الطبيعة، ومبدعًا في تحويلها إلى تكنولوجيا، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تتطور حكمته الأخلاقية بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرته العلمية.
وبعد واحد وثمانين عامًا، لم يعد السؤال ما إذا كان الإنسان قادرًا على تدمير العالم؛ فقد عرفنا الجواب منذ هيروشيما.
السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع الإنسان أن يبني من الحكمة والمؤسسات والقواعد الأخلاقية ما يكفي لمنع قوته من أن تنقلب عليه؟
وربما تكون هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نتذكرها كلما حل السادس والتاسع من آب:
العلم يمنح الإنسان القدرة، لكنه لا يمنحه الحكمة تلقائيًا.
وبين القدرة والحكمة يتقرر مستقبل البشرية.
نشر المقال في مدونة الدكتور علاء محمود التميميًwww.altamimialaablog.com

تعليقات