إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
- قبل 22 ساعة
- 3 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة —
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
د. علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
قف لحظةً أمام هذه الآية، ولا تتعجَّل.
لا تقرأها كما تقرأ خبراً عابراً، أو تمرّ بها كما تمرّ بسطرٍ في كتاب. بل قِفْ، وأصغِ إلى ما تقوله لك في صمتها قبل أن تقوله في كلماتها.
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
آيةٌ واحدة، لكنها تحمل في طيّاتها تصوُّراً كاملاً للإنسان، وللعلم، وللعلاقة الخفيّة بين المعرفة والروح.
حين تتكلم الحركاتُ قبل الكلمات
اللغةُ العربية لغةٌ لا تُشبه سواها. فيها من الدقة ما يجعل الضمةَ الواحدة تحمل عقيدةً بأسرها، والفتحةَ في موضعها تقلب المعنى رأساً على عقب. وليس هذا مبالغةً في وصف اللسان، بل هو ما تشهد به هذه الآية شهادةً جليّة.
“اللَّهَ” — جاء منصوباً، مفعولاً به مقدَّماً. لأن الجلالة لا تكون إلا محلَّ الخشية، لا مصدرَها. هو المَخشيُّ، وليس الخاشي.
“الْعُلَمَاءُ” — جاء مرفوعاً، فاعلاً مؤخَّراً. لأنهم — وحدهم — بلغوا من المعرفة ما يجعلهم يخشون حقَّ الخشية.
وفي هذا التقديم والتأخير حكمةٌ تتجاوز النحو إلى العقيدة ذاتها: قدَّم المفعولَ تعظيماً لله، وأخَّر الفاعلَ تشريفاً للعلماء. كأن الآية تقول بلسانٍ غير لسان الكلمات: الله أولاً، والعلماء خيرُ من عرفوه.
الخوف والخشية.. هل هما واحد؟
كثيرٌ من الناس يستخدمون الكلمتين بالتبادل، وهذا خطأٌ لطيفٌ يستحق الوقوف عنده.
الخوفُ انفعالٌ غريزي. يولده المجهول، ويغذّيه الظلام، وقد يسكن قلبَ الجاهل قبل العالِم. أما الخشيةُ فهي شيءٌ آخر تماماً؛ إنها الخوفُ المقرون بالبصيرة. إنها ما يسكن قلبَ مَن رأى فعَلِم، ومن عَلِم فأيقن، ومن أيقن فخشع.
الخوفُ قد تشعر به في الغرفة المظلمة. أما الخشيةُ فتشعر بها حين تقف تحت سماءٍ مفتوحة، وترى الكون في اتساعه وأنت في صِغَرك، فلا تملك إلا أن تنكسر.
ولهذا — بالضبط — خصَّ اللهُ العلماءَ بهذا الوصف. لأن الخشية الحقيقية لا تُورَث ولا تُوهَب، بل تُكتسَب بالنظر والتأمل والمعرفة المتراكمة جيلاً بعد جيل. فمَن أمضى عمره يدرس عظمةَ الكون وبديعَ صنعه — اختلافَ الألوان، وتنوعَ الثمرات، وتباينَ الألسنة والوجوه كما أشارت إليه الآياتُ السابقة لهذه الآية في سورة فاطر — لم يسَعْه في النهاية إلا أن تتملَّكه الهيبة. ليس هيبةَ المكره، بل هيبةَ العارف الذي يرى.
أيُّ عالِمٍ يعنيه القرآن؟
هنا يقف كثيرون حيارى: هل العلماء الذين تعنيهم الآية هم علماءُ الدين وحدهم؟
والجواب — الذي يشهد له سياق الآيات والمنطق معاً — أوسعُ من ذلك.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: “إنما يخشاه حقَّ خشيته العلماءُ العارفون به” — فجمع بين العلم والمعرفة، ولم يقيِّد العلمَ بنوع بعينه. وكأنه يقول: المعيارُ ليس التخصص، بل الأثر. هل أوصلك علمُك إلى الله، أم أبعدك عنه؟
فالفقيهُ الذي يتدبّر النصوص عالِم. والفيلسوفُ الذي يُمحِّص الأفكار ويبحث عن الحقيقة عالِم. وعالِمُ الفلك الذي يرصد ما بين المجرّات بمنظاره، والطبيبُ الذي يُبحر في أعماق الخلية الحية وأسرار الجينات — هؤلاء كلُّهم يقف أمامهم بابُ الخشية مفتوحاً، إن أرادوا الدخول.
وفي المقابل، قد يحفظ المرءُ الكتبَ ويُتقن العلوم وتكون معرفتُه حجاباً لا نوراً، حين تنتهي عند حدود الصفحة ولا تبلغ القلب. وهذا هو التحذير الضمني الذي تحمله الآية في ثناياها.
العالِم.. أمانةٌ لا لقب
إذا كانت الخشيةُ ثمرةَ العلم، فإن العلماء هم أُمناءُ هذه الثمرة وحُرَّاسها. وما أحوجَ الأممَ إلى علمائها في ساعات الغفلة، حين يعلو صوتُ الجاهل ويخفت همسُ العارف.
العالِمُ الحقيقي ليس من حفظ وأتقن فحسب. بل هو من أضاءت معرفتُه قلبَه قبل عقله. الذي يرى في كل ظاهرة كونية آيةً، وفي كل دقيقةٍ من دقائق الخلق برهاناً. ذلك هو العالِم الذي عنته الآية، وذلك هو الإنسان الذي تحتاجه الأمة.
وبين أيدينا اليوم علومٌ لم يحلم بها الأوّلون؛ نقرأ في بنية الكون وأعماق البحار وشيفرات الحياة. فإن لم تُثمر هذه العلوم خشيةً وتواضعاً وإحساساً بالعظمة — فأيُّ علمٍ هذا؟ وأيُّ عالِمٍ يكون صاحبُه؟
ختاماً
في هذه الآية رسالةٌ للعلماء قبل أن تكون مدحاً لهم.
تقول لهم: شرفُكم مشروطٌ بخشيتكم. وخشيتُكم دليلُ علمكم. فمن تعلَّم ولم يخشَ، فلم يبلغ بعدُ حقيقةَ العلم. ومن خشيَ بغير علم، فخشيتُه ناقصة.
والمقياسُ في النهاية ليس الشهادات، ولا المناصب، ولا كثرة الكلام — بل تلك الرعشةُ الداخلية التي تنتاب القلبَ حين يقف أمام عظمة الله عارفاً، متأملاً، مستيقناً. تلك الرعشةُ التي لا تزوِّرها الألقاب ولا تصطنعها الخطب.
وإن سألتَ عن علامة العالِم الحقيقي، فانظر إلى قلبه حين يكون وحده — لا حين يكون على المنابر.
فاللهم زِدنا علماً يورثنا خشيتك، وخشيةً تُقرِّبنا من رحمتك.



تعليقات