top of page

الجنائن المعلقة

الجنائن المعلّقة

د . علاء محمودالتميمي

كانون الثاني ٢٠٢٦


تعد الجنائن المعلقة إحدى أشهر عجائب العالم القديم، غير أن موقعها الحقيقي ظل موضع جدل علمي طويل. فبينما تنسبها الروايات التاريخية إلى بابل وسط العراق ، تشير دراسات حديثة مدعومة بنصوص آشورية وأدلة هندسية وأثرية إلى أن موقعها المرجّح كان في شمال العراق، وتحديدًا في نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية الحديثة. سأحول في هذا المقال تقييم الفرضيتين من منظور تاريخي وإنشائي، هندسي حيث يتضح أن الدليل المادي والهندسي يميل بوضوح إلى الموقع الآشوري .


تنسب المصادر اليونانية والرومانية—الجنائن المعلّقة إلى Babylon، وتربطها بالملك نبوخذ نصر الثاني في القرن السادس قبل الميلاد. غير أن هذه الرواية تعاني من إشكاليات جوهرية، أهمها:

1. غياب أي ذكر بابلي للجنائن في النصوص المسمارية البابلية، رغم وفرة السجلات المعمارية والإنشائية.

2. عدم العثور أثريًا في بابل على بنى مائية أو منشآت حدائق مرتفعة بالحجم والتعقيد الذي تصفه المصادر التاريخية .

3. اعتماد الروايات اليونانية على نقل غير مباشر، كُتب بعد قرون من الزمن، ومن دون مشاهدة ميدانية.


هذه الثغرات دفعت الباحثين المعاصرين إلى إعادة النظر في موقع الجنائن المعلقة.


تذهب دراسات حديثة—وفي مقدمتها أعمال الباحثة البريطانية ستيفاني دالي—إلى أن الجنائن كانت في Nineveh، وأن بانيها هو الملك الآشوري Sennacherib (704–681 ق.م).


تتضمن النقوش الملكية لسنحاريب أوصافًا دقيقة لحدائق ملكية “مرتفعة”، مزروعة بأشجار جُلبت من مناطق جبلية، ومزوّدة بنظام ري معقّد يعتمد على رفع المياه إلى مستويات عليا—وهي أوصاف تتطابق بشكل لافت مع ما نُسب إلى الجنائن المعلّقة.

أهم ما يميّز الفرضية الآشورية هو وجود بنية مائية متقدمة شمال نينوى، أبرزها قناة جرون (Jerwan Aqueduct)، وهي أقدم قناة حجرية مقوّسة معروفة في التاريخ. يبلغ طول منظومة القنوات التي أنشأها سنحاريب عشرات الكيلومترات، وقد صُمّمت لنقل المياه من الينابيع الجبلية إلى العاصمة نينوى.

من منظور الهندسة الإنشائية، فإن مشروعًا بحجم الجنائن المعلّقة يتطلب:

• مصدر مياه دائمًا ومرتفع المنسوب

• منشآت رفع مائي متقدمة

• بنى حجرية مقاومة للماء والضغط


وجميع هذه العناصر موثّقة بوضوح في المشاريع الآشورية في نينوى، بينما تغيب أدلتها في بابل. وهذا الترابط بين النص والهندسة والبقايا المادية يمنح الفرضية الآشورية قوة تفسيرية أعلى.

من هذا نستنتج إن إعادة تقييم موقع الجنائن المعلّقة تكشف أن الرواية التقليدية البابلية تقوم أساسًا على مصادر ثانوية، في حين تستند الفرضية الآشورية إلى:

• أدلة هندسية قائمة

• منطق جغرافي ومناخي متماسك


وبناءً عليه، فإن القول إن الجنائن المعلّقة كانت في شمال العراق، في نينوى الآشورية، لا في بابل، لم يعد مجرد رأي بديل، بل استنتاج علمي راجح يعيد الاعتبار للدور الآشوري في تاريخ الهندسة والعمارة العالمية

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الثورة … والمعمار الذي ننساه

الثورة… والمعمار الذي ننساه د . علاء محمود التميمي كانون الثاني ٢٠٢٦ في لغة العرب تولد الثورة من شرارة الهياج،صرخةٌ من قلبٍ يفيض… لا من عقلٍ يتدبّر. اسمٌ يلتقط العاصفة في أولها،فيجعل من الاندفاع هوية،

 
 
 
الهندسة الإنشائية في حضارات وادي الرافديين لماذا صمد طاق كسرى أكثر من ألفي عام؟

يُعدّ طاق كسرى (قوس طيسفون) واحدًا من أعظم الشواهد المعمارية في تاريخ وادي الرافدين، ليس لضخامته فحسب، بل لعبقريته الإنشائية. فهذا القوس الطيني، المشيّد من الآجر المفخور قبل أكثر من ألفي عام، ما زال ق

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page