
الهندسة الإنشائية في حضارات وادي الرافديين لماذا صمد طاق كسرى أكثر من ألفي عام؟
- 6 يناير
- 2 دقيقة قراءة
يُعدّ طاق كسرى (قوس طيسفون) واحدًا من أعظم الشواهد المعمارية في تاريخ وادي الرافدين، ليس لضخامته فحسب، بل لعبقريته الإنشائية. فهذا القوس الطيني، المشيّد من الآجر المفخور قبل أكثر من ألفي عام، ما زال قائمًا رغم عوامل الزمن والتعرية، في مفارقة تثير إعجاب المهندسين حتى اليوم.
يقع الطاق في مدينة طيسفون، التي كانت عاصمة للفرثيين ثم الساسانيين، ولاحقًا عُرفت باسم المدائن قرب بغداد. ويبلغ عرض القوس نحو 26 مترًا، وارتفاعه قرابة 37 مترًا، ما يجعله أكبر قوس طيني غير مسلّح في العالم.
لكن سرّ بقائه لا يكمن في سماكة مادته، بل في شكله الهندسي.
صُمّم طاق كسرى وفق منحنى يُعرف هندسيًا باسم الكاتنري (Catenary)، وهو الشكل الطبيعي الذي تتخذه السلسلة المعلّقة تحت وزنها الذاتي. وعند قلب هذا المنحنى، نحصل على القوس المثالي الذي يعمل بالضغط الخالص، من دون قوى شد أو عزوم انحناء—وهي القوى التي لا تتحملها مادة كالطين المفخور.
بهذا الشكل الذكي، تمرّ القوى داخل جسم القوس نفسه، فيبقى متماسكًا ومستقرًا. ولو تغيّر شكل القوس قليلًا—زيادة أو نقصانًا—لتولّدت قوى كفيلة بانهياره خلال سنوات قليلة.
المذهل أن هذا الفهم الهندسي سبق ظهور حسابات التفاضل والتكامل والهندسة التحليلية بقرون طويلة. فقد توصّل البنّاء الرافديني إلى هذا الحل عبر التجربة المتراكمة، والملاحظة الدقيقة لسلوك المادة، ونقل الخبرة عبر الأجيال. إنها هندسة بلا معادلات، لكنها قائمة على عقل علمي عملي بالغ النضج.
ومن المفارقات اللافتة أن هذا المبدأ لم يُعاد اكتشافه في العمارة الحديثة إلا في أواخر القرن التاسع عشر، حين استخدم المعماري الإسباني أنطونيو غاودي نماذج السلاسل المعلّقة لتصميم أقواسه الشهيرة، كما في كنيسة ساغرادا فاميليا في برشلونة. ما عُدّ آنذاك ثورة معمارية، كان في الحقيقة تطبيقًا متأخرًا لحكمة إنشائية عرفها وادي الرافدين منذ زمن بعيد.
إن طاق كسرى ليس أطلالًا صامتة، بل درسًا خالدًا في الهندسة:
أن الشكل قد يكون أهم من المادة،
وأن الفهم العميق للطبيعة يسبق أحيانًا العلم المكتوب،
وأن حضاراتنا القديمة لم تكن أقل ذكاءً، بل أقل ضجيجًا.
الدكتور المهندس
علاء التميمي


تعليقات