
ترامب ومضيق هرمز: قراءة في تناقض التصريحات
- 22 مارس
- 3 دقيقة قراءة
ترامب ومضيق هرمز: حين تتناقض التصريحات وتفضح ارتباك الاستراتيجية
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
في الحروب الكبرى لا تكون المشكلة في السلاح وحده، بل في اللغة التي تُدار بها الحرب أيضًا. فالكلمات، حين تصدر عن رئيس دولة عظمى، ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل إشارات استراتيجية تقرأها الأسواق، وتراقبها الجيوش، وتبني عليها الدول حساباتها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز مثالًا واضحًا على التناقض بين خطاب التهديد وخطاب التهوين، وبين استعراض القوة وغياب الرؤية المستقرة.
فخلال الساعات الأخيرة، صعّد ترامب لهجته إلى حدٍّ غير مسبوق، مهددًا إيران بأنها إن لم تُعد فتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة فإن الولايات المتحدة ستضرب محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة الإيرانية، مع حديث واضح عن “إبادة” هذه الأهداف إذا استمر الإغلاق. وقد نقلت وكالات دولية كبرى هذا التهديد باعتباره إنذارًا مباشرًا مرتبطًا بأزمة الطاقة العالمية، بعد أن تسبب تعطّل الملاحة في المضيق بارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز وبقلق واسع في الأسواق الدولية.
لكن المشكلة لا تكمن في قسوة التهديد وحدها، بل في أنه يأتي بعد سلسلة طويلة من التصريحات المتناقضة. فترامب نفسه كان قد أوحى في تصريحات سابقة بأن الحرب شارفت على نهايتها، وأن إيران تعرضت لضربات قاصمة أفقدتها معظم قدرتها البحرية والعسكرية، بل وتحدث بصيغة المنتصر الذي يملك زمام المبادرة في المضيق. وفي الوقت نفسه، عاد ليرفع سقف التهديد من جديد، وكأن الحرب لم تُحسم، وكأن السيطرة على الممر البحري الأهم في العالم لم تتحقق بعد. هذا التباين بين إعلان التفوق العسكري وبين التلويح المستمر بتوسيع بنك الأهداف، يكشف أن واشنطن لم تصل إلى معادلة ردع مستقرة، وأن ما يُقال للإعلام لا ينسجم دائمًا مع ما يفرضه الميدان.
الأكثر دلالة أن الإدارة الأمريكية لم تكتفِ بالتهديد العسكري، بل اضطرت في الوقت نفسه إلى اتخاذ إجراءات تخفف من أزمة الطاقة، من بينها تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني الموجود أصلًا في البحر بهدف تهدئة ضغوط الإمداد والأسعار. وهذا وحده يكشف تناقضًا جوهريًا: كيف تبرر واشنطن حربًا لتقويض إيران، ثم تضطر اقتصاديًا إلى السماح بتدفقات نفطية مرتبطة بها لتخفيف الصدمة عن السوق العالمية؟ إن هذا السلوك لا يعكس قوة استراتيجية بقدر ما يعكس مأزقًا سياسيًا واقتصاديًا، لأن إغلاق مضيق هرمز لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط كذلك على الاقتصاد العالمي وعلى الغرب نفسه.
ومن هنا يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري. إنه نقطة اختبار حقيقية لمصداقية الخطاب الأمريكي. فإذا كانت واشنطن قادرة فعلًا على فرض فتحه سريعًا، فلماذا استمرت الأزمة وتفاقمت أسعار الطاقة؟ وإذا كانت غير راغبة في توسيع الحرب، فلماذا تُهدد الآن بضرب البنية الكهربائية ومنشآت الطاقة، وهي أهداف لا تمثل مجرد رسالة عسكرية، بل خطوة نحو إنهاك دولة كاملة ودفع المنطقة كلها إلى مستوى أخطر من التصعيد؟ الواقع أن استهداف الطاقة لا يعني فقط ضرب الاقتصاد الإيراني، بل يعني فتح الباب أمام ردود قد تطال منشآت وممرات حيوية في الخليج كله، بما يجعل العالم أمام حرب استنزاف للطاقة لا أمام عملية ردع محدودة.
وإذا كان ترامب يقدّم نفسه بوصفه رجل الحسم، فإن تصريحاته بشأن هرمز تكشف شيئًا مختلفًا: رجل يرفع السقف كلما استعصت النتائج. فهو يدعو أحيانًا إلى أن تتحمل دول أخرى عبء حماية المضيق، ثم يعود ليتحدث بلغة أمريكية منفردة. ويعلن أحيانًا أن الحرب في طور الانحسار، ثم يعود ليهدد بضربات أوسع. وهذا ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، بل خلل في تعريف الهدف نفسه: هل المطلوب ردع إيران فقط؟ أم فتح المضيق؟ أم تحطيم بنيتها الاستراتيجية؟ أم إدارة الأزمة حتى الانتخابات والأسواق؟ حين تتعدد الرسائل بهذا الشكل، تتراجع الهيبة بدل أن تتعزز، لأن الخصم والحليف معًا يبدآن في الشك بأن القرار السياسي لم يعد محكومًا برؤية متماسكة.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط احتمال ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خلال 48 ساعة، بل أن هذا التهديد نفسه يأتي في سياق ارتباك استراتيجي أمريكي ظاهر. فالإدارة التي تقول إن الحرب تحقق أهدافها، هي نفسها التي تبدو خائفة من انعكاسات إغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي. والرئيس الذي يتحدث بلغة النصر، هو نفسه الذي يعود إلى لغة الإنذار والمهلة والوعيد. وهذا يعني أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط إيرانية، بل أصبح أيضًا مرآة تعكس حدود القوة الأمريكية حين تواجه ممرًا بحريًا لا تُحسم معادلته بالتصريحات وحدها.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس تناقضًا لفظيًا عابرًا في كلام ترامب، بل تعبيرًا عن مأزق أعمق: القدرة على التدمير شيء، والقدرة على إنتاج استقرار سياسي واقتصادي شيء آخر تمامًا. والولايات المتحدة، مهما امتلكت من سلاح، لا تستطيع أن تفرض الأمن في مضيق هرمز بخطاب متقلب، ولا أن تطمئن الأسواق بتهديدات تتوسع كلما ازداد الارتباك. فحين تتناقض التصريحات، يصبح السؤال ليس فقط: ماذا ستفعل واشنطن؟ بل: هل تعرف واشنطن نفسها إلى أين تريد أن تصل؟
نشر على مدونة الدكتور علاء التميمي


تعليقات