top of page

حين لا تكفي القوة

  • قبل يومين
  • 3 دقيقة قراءة

خاطرة الجمعة


حين لا تكفي القوة

د. علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦


يكاد التاريخ يكرر الدرس نفسه، لكن البشر يصرّون على نسيانه.


فمنذ ماراثون عام ٤٩٠ ق.م، وعين جالوت ١٢٦٠م، مروراً بأجينكور عام ١٤١٥م، وصولاً إلى ديان بيان فو عام ١٩٥٤م، لم يكن الطرف الأقوى عسكرياً هو المنتصر دائماً. فالتاريخ لا يكتب نتائجه بعدد الطائرات، ولا بحمولة حاملات الطائرات، ولا بحجم الترسانات وحدها.


القوة العسكرية تمنح القدرة على بدء الحرب، لكنها لا تمنح بالضرورة القدرة على إنهائها بالشروط التي يريدها صاحبها. وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف تقرأ الدولة الأقوى حدود قوتها في لحظة اتخاذ القرار؟


أولاً: وهم "الخيار السهل"


عندما تمتلك تفوقاً ساحقاً، يصبح استخدام القوة مغرياً لأنك تراه أقل تكلفة من غيرك. لكن القوة تخلق وهم السيطرة، فتظن أنك تتحكم في وتيرة الحرب، بينما الخصم يتحكم في وتيرة الاستنزاف. وكما علمتنا فيتنام، فالقوة لا تقيس مدى قدرتك على تدمير العدو، بل تقيس قدرتك على تحمل تكلفة تدميره.


ثانياً: اختبار "اليوم التالي"


الدولة الذكية لا تسأل: "هل نستطيع الفوز في المعركة؟"، بل تسأل: "كيف سيبدو المشهد بعد ستة أشهر من المعركة؟" فحدود القوة تظهر في ثلاثة مجالات:


· المجال السياسي: هل سيبقى الحلفاء معي بعد الضربة؟

· المجال الاقتصادي: كم سترتفع الأسعار، وهل سيهتز سوق الأسهم؟

· المجال الأخلاقي: هل سأفقد شرعيتي الدولية في اليوم التالي؟


ثالثاً: عامل الزمن


القوي يريد نصراً سريعاً، والضعيف يريد إطالة الوقت. قراءة حدود القوة تعني أن تسأل: كم يوماً من القتال يتحمله رأيي العام؟ وكم شهراً من الاستنزاف تتحمله خزينتي؟ أميركا انسحبت من أفغانستان بعد عشرين عاماً، ليس لأنها خسرت معركة واحدة، بل لأنها خسرت سباق الزمن مع صبر الخصم.


---


ولهذا أخطأت الإمبراطوريات مراراً حين ظنت أن التفوق العسكري يكفي لإخضاع الشعوب والإرادات. فالقوة تستطيع تدمير المدن، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام سياسي مستقر. وقد تفرض السيطرة على الأرض، لكنها لا تضمن السيطرة على العقول، ولا القدرة على كسب الزمن.


واليوم، ونحن نتابع المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تتكرر لغة القوة في الخطاب السياسي. ويكثر الحديث عن أعظم جيش، وأقوى سلاح، وأكبر قدرة على الردع، حتى يبدو أحياناً أن امتلاك القوة يعني امتلاك حرية استخدامها متى شاء صاحبها، وبالطريقة التي يريدها.


لكن التاريخ يطرح سؤالاً مختلفاً: هل كل من يملك القوة يستطيع أن يستخدمها كما يريد؟


في عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية وحدها هي التي تحدد القرار أو ترسم النتيجة. فهناك الاقتصاد، والرأي العام، والتحالفات، والقانون الدولي، وكلفة الحرب، والأسواق، واستقرار الداخل، وردود فعل الخصوم والحلفاء. وكل قرار باستخدام القوة يحمل معه أثماناً قد تتجاوز نتائج الضربة العسكرية نفسها.


ولهذا، فإن الدولة الأقوى قد تكون الأكثر حاجة إلى الحذر، لأنها الأقدر على إحداث الدمار، والأكثر عرضة لتحمل تبعاته السياسية والاقتصادية والأخلاقية. فكلما اتسعت القدرة، اتسعت معها المسؤولية، وارتفعت كلفة الخطأ في تقدير نيات الخصم أو قدرته على الصمود والرد.


أما الطرف الأضعف، فقد يعوض جانباً من فارق القوة بعوامل أخرى: الصبر، والقدرة على الاستنزاف، والمعرفة بالأرض، ووحدة الهدف، وارتفاع المعنويات، واستثمار أخطاء خصمه. ويمتلك أيضاً أوراق ضغط غير عسكرية، كالتأثير على الممرات الملاحية، واستخدام الوكلاء، وقدرته على رفع الكلفة الاقتصادية للخصم قبل أن تبدأ المعركة.


ولهذا لا يكون ميزان القوى العسكرية دائماً هو نفسه ميزان النتائج السياسية.


---


لا يعلمنا التاريخ أن الضعيف ينتصر دائماً، ولا أن القوي يُهزم بالضرورة. لكنه يعلمنا حقيقة أكثر تواضعاً وعمقاً:


أن الغرور بالقوة كان، في كثير من الأحيان، بداية الخطأ الاستراتيجي.


فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحروب، بل في الحكمة التي تعرف متى يكون استخدامها ضرورة، ومتى يصبح ضبطها والامتناع عنها قمة القوة.


وأخيراً، تذكّر أن القوة حين لا تكفي، فإن ما يكفي هو: قراءة السياق، وبناء التحالفات، واحترام عامل الزمن، والسؤال الدائم: "هل هذه الضربة تقربني من الهدف السياسي الذي أريده، أم أنها مجرد إظهار للعضلات؟"


فالتاريخ لا ينحاز دائماً إلى الأقوى، بل كثيراً ما ينحاز إلى من يُحسن قراءة حدود قوته، وحدود قوة خصمه.


---


نشرت في مدونة د. علاء محمود التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة

كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة د. علاء محمود التميمي تموز ٢٠٢٦ في التاسع عشر من تموز، أُسدِل الستار على كأس العالم ٢٠٢٦، بعد نهائي نيويورك–نيوجيرسي بين إسبانيا والأرجنتين. فازت إسبانيا باس

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page