الجمال الذي لا نراه إلا متأخرين
- قبل 18 ساعة
- 2 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة
الجمال الذي لا نراه إلا متأخرين
د.علاء التميمي
ايلول ٢٠٢٦
كثيرًا ما نمرّ بالجمال من دون أن نراه.
نعيش في بيتٍ سنوات طويلة، فلا ننتبه إلى دفء غرفه إلا بعد أن نغادره. نعبر شارعًا كل يوم، فلا ندرك مكانته في ذاكرتنا إلا عندما تفصلنا عنه المدن والبحار. نجلس مع أهلنا وأصدقائنا، ونعدّ اللقاء أمرًا عاديًا، ثم نكتشف بعد الغياب أن تلك الجلسات البسيطة كانت من أجمل ما منحته لنا الحياة.
ربما لا يكون الجمال نادرًا كما نعتقد؛ لكننا نكون منشغلين عنه.
في شبابنا، ننظر دائمًا إلى الأمام. نريد أن نصل، وأن ننجز، وأن نغيّر حياتنا. نظن أن الأجمل ينتظرنا في مكان آخر، وفي زمن آخر، ومع نجاح أكبر. ثم يمضي العمر، فنلتفت إلى الخلف، ونكتشف أن بعض ما كنا نبحث عنه كان يعيش معنا: في صوت الأم، وفي حضور الأب، وفي ضحكة صديق، وفي مائدة عائلية متواضعة، وفي طريق اعتدنا أن نسلكه من غير أن نعرف أنه سيصبح يومًا جزءًا من حنيننا.
إننا لا نعرف دائمًا أن اللحظة جميلة وهي تحدث؛ لأن الحياة لا تضع حول لحظاتها الجميلة إطارًا ذهبيًا، ولا تنبّهنا قائلة: انتبهوا، هذه اللحظة لن تتكرر.
الجمال الحقيقي يأتي غالبًا في هيئة أشياء عادية: فنجان قهوة مع من نحب، مكالمة من صديق قديم، يد تمتد إلينا في وقت صعب، أو بيت نعود إليه فنشعر أننا لسنا غرباء. لكن الاعتياد يحجب عنا قيمة الأشياء، حتى إذا ابتعدت أو غابت انكشف جمالها كاملًا.
ولعل الحكمة التي يمنحها لنا العمر ليست أن نتحسر على ما مضى، بل أن نتعلم كيف نرى ما لا يزال حاضرًا.
أن ننظر إلى وجوه من نحب بوعي أكبر، وأن نصغي إلى أصواتهم قبل أن تتحول إلى ذكريات. أن نشكر من يسأل عنا، وأن نعبّر عن محبتنا من دون انتظار مناسبة. وأن نتوقف قليلًا وسط عجلة الأيام لندرك أن بعض أجمل فصول حياتنا قد لا تكون أمامنا ولا خلفنا، بل هي التي نعيشها الآن.
فليس مؤلمًا أن يمضي الجمال، فهذه سنة الحياة؛ إنما المؤلم أن يكون قريبًا منا، ونعيش بجواره طويلًا، ثم لا نراه إلا بعد أن يصبح بعيدًا.
لذلك، لعل أجمل ما نستطيع فعله اليوم هو أن ننظر حولنا مرة أخرى؛ فقد نجد أن ما سنشتاق إليه غدًا، موجود معنا الآن.
نشرت في مدونة د. علاء التميمي

تعليقات