top of page

الثراء والارتقاء

  • قبل 8 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة

خاطرة الجمعة

الثراء والارتقاء

د. علاء محمود التميمي


آب ٢٠٢٦

ثمّة لحظات تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تكشفها سنوات طويلة من الكلام. فحين ينتقل المرء من ضيق الحال إلى سعتها، ومن الحاجة إلى الوفرة، يظهر معدنه الحقيقي: هل زادته النعمة تواضعًا واتزانًا، أم أيقظت فيه رغبةً لا تنتهي في إثبات أنه لم يعد ذلك الإنسان الذي كانه يومًا؟

فالمال يغيّر ظروف الحياة، لكنه لا يغيّر بالضرورة طبيعة النفس. وقد يمنح صاحبه قدرةً أكبر على الحركة والاختيار والراحة، لكنه لا يمنحه تلقائيًا رقيًا في الفكر أو نبلًا في السلوك أو عمقًا في الثقافة. تلك أمور تُكتسب بالجهد والتربية والتجربة، لا بالأرصدة والحسابات.

ولعل من أكثر الظواهر إثارةً للتأمل أن بعض من ذاقوا الحرمان طويلًا لا يكتفون بالتحرر منه عندما تتحسن أحوالهم، بل يبدؤون معركة أخرى مع صورتهم القديمة. فيسعون إلى إحاطة أنفسهم بكل ما يوحي بالمكانة والتميّز، وكأنهم يحاولون محو الماضي لا تجاوزه.

فيصبح المال، عند بعضهم، وسيلةً لإرسال الرسائل قبل أن يكون وسيلةً للعيش الكريم. فلا تعود قيمة الشيء في فائدته، بل في قدرة الآخرين على رؤيته. وتتحول المقتنيات والمظاهر والامتيازات إلى لغةٍ صامتة تُقال بها عبارة واحدة مرارًا: "انظروا كم أصبحت مختلفًا عما كنت."

ومع مرور الوقت قد لا يتوقف الأمر عند استعراض الثروة، بل يمتد أحيانًا إلى محاولة اقتناء هيبةٍ لا تُشترى بالمال. فهناك من يظن أن الوفرة المالية تكفي لمنحه مكانة المثقف أو الخبير أو الأكاديمي، فيضيف إلى اسمه ألقابًا لم يحصل عليها، أو يتزين بشهادات لم ينلها، أو يوحي بصفات لم يكتسبها. وكأن المال قادر على اختصار السنين التي قضاها الآخرون في الدراسة والبحث والاجتهاد.

لكن الحقيقة تبقى عصية على الشراء.

فالثروة تستطيع شراء الكتب، لكنها لا تشتري المعرفة. وتستطيع شراء لوحة اسم فاخرة، لكنها لا تشتري الاستحقاق الذي يمنحها معناها. وتستطيع أن تجعل الإنسان مشهورًا لبعض الوقت، لكنها لا تجعل منه مرجعًا أو صاحب قيمة حقيقية.

ولذلك فإن أكثر الأثرياء رقيًا ليسوا أولئك الذين يبالغون في إظهار ما لديهم، بل أولئك الذين لا يحتاجون إلى ذلك أصلًا. فكلما ازدادت ثقة الإنسان بنفسه، قلّت حاجته إلى الاستعراض. وكلما ترسخت قيمته الحقيقية، تضاءلت رغبته في استعارة قيمةٍ من المال أو من الألقاب.

ومن هنا تبدو سيرة أندرو كارنيغي جديرة بالتأمل. فقد خرج من بيئة متواضعة وأصبح من أثرى رجال الأعمال في عصره، لكنه لم يحاول أن يشتري لنفسه مكانةً علمية لم يحققها، ولم يجعل ثروته أداةً للاستعلاء على الآخرين، بل رأى فيها مسؤولية تجاه المجتمع. فأنفق جزءًا كبيرًا منها في دعم المكتبات ونشر المعرفة، مؤمنًا بأن قيمة المال الحقيقية تظهر فيما يضيفه إلى حياة الناس لا فيما يضيفه إلى مظاهر صاحبه.

إن المال نعمة عظيمة حين يبقى في حجمه الطبيعي، وفتنة كبيرة حين يحاول صاحبه أن يجعله بديلًا عن كل شيء. فليس كل غنيٍ راقيًا، كما أن الفقر ليس فضيلةً بحد ذاته. وإنما الرقي أن يدرك الإنسان حدود ما يشتريه المال وحدود ما لا يشتريه.

فالإنسان لا يثبت أنه تجاوز الحرمان بكثرة ما يُظهر من مظاهر الغنى، ولا بعدد الألقاب التي يضيفها إلى اسمه، بل بقدر ما يتحرر من حاجته إلى استعراضهما. وعندما يبلغ هذه المرحلة، يصبح المال في يده لا في نفسه، ويغدو نجاحه أكثر وقارًا، لأن قيمته الحقيقية تنبع مما هو عليه، لا مما يملكه أو يدّعيه.

وهنا يكمن الفرق بين الثراء والارتقاء: فالثراء زيادةٌ فيما يملكه الإنسان، أما الارتقاء فزيادةٌ فيما يكونه الإنسان.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
ما لا تشتريه الثروة

خاطرة الجمعة ما لا تشتريه الثروة علاء محمود التميمي آب 2026 ليس كل من أصبح ثريًا نما من الداخل، وليس كل من اتسعت ثروته اتسعت معها رؤيته للحياة أو نضجت تجربته فيها. فالمال يملك قدرة هائلة على تغيير كثي

 
 
 
حين يتحول الاسم إلى تهمة

خاطرة الجمعة حين يتحول الاسم إلى تهمة د. علاء محمود التميمي آب ٢٠٢٦ تخيّلوا المشهد. طبيب أمريكي من أصول مصرية، اسمه عبد السيد (Abdul El-Sayed)، وُلد ونشأ في ولاية ميشيغان. درس الطب والصحة العامة، وعمل

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page