حين يتحول الاسم إلى تهمة
- قبل يومين
- 3 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة
حين يتحول الاسم إلى تهمة
د. علاء محمود التميمي
آب ٢٠٢٦
تخيّلوا المشهد.
طبيب أمريكي من أصول مصرية، اسمه عبد السيد (Abdul El-Sayed)، وُلد ونشأ في ولاية ميشيغان. درس الطب والصحة العامة، وعمل في مواقع أكاديمية وإدارية، ثم دخل عالم السياسة.
في حملته الأخيرة لمجلس الشيوخ الأمريكي، خاض منافسة شديدة داخل الحزب الديمقراطي، في سباق شهد إنفاقاً سياسياً وإعلانياً كبيراً من جماعات ومؤسسات مختلفة، بعضها عارض ترشيحه بقوة. ومع ذلك، انتهت الانتخابات التمهيدية بفوزه بترشيح الحزب في ولاية ميشيغان.
وسيواجه في انتخابات نوفمبر المقبل المرشح الجمهوري مايك روجرز. وإذا فاز، فسوف يسجل سابقة تاريخية بوصفه أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.
قد نتفق مع أفكار عبد السيد أو نختلف معها. وقد نرى برنامجه تقدمياً أكثر مما ينبغي، أو نراه تعبيراً عن تطلعات شريحة من المجتمع الأمريكي. وهذا كله مشروع في الديمقراطية.
لكن ما يستحق التأمل ليس برنامجه السياسي بحد ذاته، بل ما يحدث أحياناً عندما يصبح اسم الإنسان وأصله ودينه جزءاً من المعركة السياسية ضده.
فبعد فوزه، لم يقتصر الجدل على سياساته الاقتصادية أو الصحية أو مواقفه الخارجية، بل امتد إلى خلفيته وهويته، وظهرت تعليقات سياسية وإعلامية ركزت على اسمه وأصوله ودينه، حتى بدا في بعض الخطابات وكأن الاسم نفسه أصبح قضية سياسية.
وهنا تستحق المسألة أن نتوقف عندها.
حين يتقدم إنسان من خلفية دينية أو عرقية مختلفة، قد يحدث أن يُناقش بعض الناس ما يمثله في مخيلتهم قبل أن يناقشوا ما يقوله فعلاً.
لا تُقرأ أفكاره أولاً، بل يُقرأ اسمه.
ولا يُنظر إلى برنامجه، بل إلى هويته.
وهكذا يتحول الاسم، وهو أبسط ما يعرّف الإنسان، إلى إشارة سياسية، ويصبح نجاح صاحبه عند البعض مصدر قلق لا بسبب ما اقترحه من سياسات، بل بسبب الصورة التي يثيرها اسمه في أذهانهم.
وهنا تكمن خطورة الصورة النمطية.
فالاختلاف في الاسم أو الدين أو الأصل لا يقول لنا شيئاً كافياً عن كفاءة الإنسان أو أخلاقه أو قدرته على خدمة المجتمع. والمجتمعات الحديثة، وخصوصاً مجتمعات الهجرة، لم تعد كتلًا متجانسة يمكن اختزالها في أصل واحد أو دين واحد أو ثقافة واحدة.
إنها مجتمعات بناها أناس جاءوا من أماكن مختلفة، وحملوا معهم أسماء مختلفة وذكريات مختلفة، ثم أصبحوا، بمرور الزمن، جزءاً من وطن مشترك.
والديمقراطية، في معناها الأعمق، لا تعني أن نتفق جميعاً.
بل تعني أن يكون اختلافنا حول الأفكار والسياسات والبرامج، لا حول حق الإنسان في أن يكون جزءاً من المجتمع بسبب اسمه أو أصله أو معتقده.
ولعل انتخابات ميشيغان الأخيرة تقدم مثالاً يستحق التأمل.
فالناخب الذي صوّت لعبد السيد ربما فعل ذلك لأنه يؤيد برنامجه الصحي، أو مواقفه الاقتصادية، أو رؤيته السياسية، أو لأنه ببساطة اعتقد أنه المرشح الأفضل. والناخب الذي صوّت لمنافسته ربما فعل ذلك للأسباب نفسها ولكن من زاوية مختلفة.
وهذا هو جوهر الديمقراطية.
فالإنسان ليس اسمه فقط، وليس أصله، وليس دينه، كما أنه ليس الصورة التي يرسمها خصومه عنه.
إنه في المجال العام ما يقوله، وما يفعله، وما يقدمه للناس.
ولذلك فإن القضية هنا ليست الدفاع عن عبد السيد، ولا تأييد الحزب الديمقراطي، ولا مهاجمة الحزب الجمهوري. فالمرشحون والأحزاب والسياسات جميعها يجب أن تكون مفتوحة للنقد والمساءلة.
القضية أبسط وأعمق من ذلك:
هل نحاكم الإنسان على أفكاره وأعماله، أم على اسمه وهويته؟
قد نختلف بشدة مع سياسي مسلم، كما نختلف مع سياسي مسيحي أو يهودي أو لا ديني. وقد نرفض برنامجه بالكامل. لكن الاختلاف السياسي شيء، وتحويل هويته إلى حجة ضده شيء آخر تماماً.
المجتمع ليس ضعيفاً لأنه متنوع.
والمدينة لا تفقد هويتها حين تتعدد فيها الأسماء والأصول.
والصوت الانتخابي لا يفقد شرعيته لأن نتيجته لم تعجب هذا الطرف أو ذاك.
بل ربما تكون قوة المجتمع في قدرته على أن يجعل الاختلاف أمراً طبيعياً، بحيث يأتي يوم لا يكون فيه فوز شخص من أصل مصري أو عراقي أو هندي أو إفريقي خبراً استثنائياً، بل نتيجة عادية لمنافسة بين مواطنين.
في كل عصر تدور معركة صامتة بين من يرى الإنسان، ومن يرى القالب الذي وضعه فيه.
تتغير الأسماء والوجوه والبلدان، لكن السؤال يبقى:
هل نحاكم الناس بما يقدمونه من أفكار وأعمال، أم بما تثيره أسماؤهم وخلفياتهم من صور مسبقة في أذهاننا؟
حين يتحول الاسم إلى تهمة، تخسر الديمقراطية جزءاً من معناها.
وحين يصبح الاسم مجرد اسم، وتصبح الفكرة والعمل هما المعيار، يربح المجتمع كله.
⸻
نُشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

تعليقات