حين يصبح الصمت موقفا
خاطرة الجمعة
حين يصبح الصمت موقفاً
د. علاء التميمي أيلول 2026

ليس كل صمتٍ حكمة، كما أن كل كلامٍ ليس شجاعة. فالقيمة الأخلاقية لأي موقف لا تُقاس بما يُقال أو لا يُقال، بل بالغاية منه والنتائج التي يتركها في حياة الناس.
نصمت أحياناً لأن التوقيت غير مناسب، أو لأن الحقيقة تحتاج إلى مزيد من التأمل قبل إطلاق الأحكام. وقد يكون الصمت احتراماً لخصوصية الآخرين، أو إدراكاً بأن بعض العقول لا تسمع إلا ما يوافق قناعاتها. في مثل هذه الحالات، يصبح الصمت شكلاً من أشكال النضج وضبط النفس، لا هروباً من المسؤولية.
لكن الصمت ليس فضيلة في كل الأحوال. فهو يفقد براءته عندما يتحول إلى ملاذ نتجنب به واجباً أخلاقياً نعرفه. حين نشهد ظلماً ونتجاهله، أو ندرك حقيقةً ونخفيها، أو نرى إنساناً يُساء إليه ونتركه وحيداً لأن الوقوف معه قد يكلّفنا شيئاً من راحتنا أو مصالحنا، فإن الصمت عندئذٍ يصبح فعلاً مؤثراً، لا مجرد امتناع عن الكلام.
والواقع أن كثيراً من أشكال الظلم لا تستمد قوتها من الظالم وحده، بل من اعتياد المحيطين به على الصمت. فالأخطاء الكبرى نادراً ما تنمو في العلن منذ البداية، وإنما تتسع تدريجياً كلما وجد أصحابها أن الاعتراض غائب، وأن المتفرجين أقنعوا أنفسهم بأن الأمر لا يعنيهم. لذلك فإن اللامبالاة ليست دائماً موقفاً محايداً؛ ففي بعض المواقف تتحول، من حيث لا نشعر، إلى مساهمة غير مباشرة في استمرار الخطأ.
وفي المقابل، لا تُقاس الشجاعة بارتفاع الصوت ولا بحدة الخطاب. فكم من كلمة هادئة أوقفت ظلماً، وكم من شهادة منصفة أعادت حقاً، وكم من موقف صادق منح إنساناً القدرة على الصمود. إن القوة الحقيقية للكلمة لا تأتي من ضجيجها، بل من صدقها وتوقيتها ومسؤولية قائلها.
ومن الناحية الواقعية، لا يستطيع الإنسان أن يحمل هموم العالم كلها، ولا أن يصلح كل خلل يراه. فحدود القدرة جزء من طبيعة الحياة، والأخلاق لا تطالبنا بما يتجاوز استطاعتنا. لكن ما نستطيع فعله هو ألا نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه ما نفهمه ونؤثر فيه ونمتلك فرصة حقيقية لتغييره.
لذلك، قبل أن نختار الصمت، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نصمت لأن الحكمة تقتضي الانتظار، أم لأن الكلام قد يحمّلنا مسؤولية لا نرغب في تحملها؟ وهل هذا الصمت يحفظ خيراً أكبر، أم أنه يريح ضميرنا مؤقتاً على حساب حقٍ يستحق أن يُقال؟
فبين صمت الحكمة وصمت الخوف مسافة تبدو صغيرة، لكنها في حقيقتها قد تكون المسافة الفاصلة بين التعقل والتقاعس، وبين الحياد والمسؤولية، وأحياناً بين الإنسانية والتواطؤ.
ففي الحياة اليومية لا يبدأ الظلم دائماً بقرار كبير أو فعل صاخب، بل قد يبدأ من مواقف صغيرة يختار فيها الناس الصمت. موظف يرى تجاوزاً يضر الآخرين فيتجنب التنبيه إليه حفاظاً على موقعه، أو طالب يشاهد تنمراً على زميله ويكتفي بالمشاهدة، أو فرد في أسرة يدرك وقوع ظلم على أحد أفرادها لكنه يؤثر الصمت حتى لا يزعج توازن العلاقات. في مثل هذه المواقف لا يكون الصمت مجرد غياب للكلام، بل يصبح عاملاً يسمح للخطأ بأن يستمر ويكتسب شرعية الواقع.
ولعل في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ تذكيراً بأن آثار الانحراف لا تبقى محصورة في صانعيه وحدهم، بل قد تمتد إلى المجتمع كله عندما يُترك الخطأ بلا مقاومة، والفساد بلا اعتراض، والحق بلا من يدافع عنه.
لذلك، فإن مسؤولية الإنسان لا تكمن في أن يواجه كل خطأ، ولا أن يحمل أعباء العالم كله، وإنما في ألا يجعل من صمته جسراً يعبر عليه الباطل، وهو يعلم أنه كان قادراً على قول كلمة حق أو اتخاذ موقف منصف. فبعض الكلمات لا تغيّر العالم، لكنها قد تمنع العالم من أن يصبح أسوأ.

تعليقات