صحبك
- قبل 7 ساعات
- 3 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة
صحبة العمر في المهجر
د.علاء التميمي
أب ٢٠٢٦
يعتقد كثيرون أن الصداقات الحقيقية لا تتكوّن إلا في سنوات الطفولة والشباب، وأن الإنسان كلما تقدم في العمر تضاءلت قدرته على بناء علاقات جديدة. لكن الحياة في المهجر علمتنا أن للصداقة مواسم أخرى، وأن بعض أجمل العلاقات قد تبدأ بعد الستين، حين يصبح الإنسان أكثر هدوءاً، وأعمق تجربة، وأكثر إدراكاً لقيمة الصحبة الصادقة.
نحن مجموعة من الأصدقاء والعوائل، تجاوز معظمنا الستين، وبعضنا بلغ السبعينيات. لم تجمعنا مقاعد الدراسة، ولا أحياء الطفولة، ولا بدايات الحياة المهنية. التقينا هنا، بعيداً عن الوطن، ثم نسجت الأيام بيننا روابط جعلتنا أقرب إلى بعضنا مما فعلت سنوات طويلة مع آخرين.
أصبح لقاؤنا الأسبوعي موعداً ننتظره بشوق. نجتمع مع زوجاتنا حول مائدة في بيت أحد الأصدقاء، نتبادل الأخبار والذكريات والضحكات. وفي أسابيع أخرى تكون للرجال جلساتهم وأحاديثهم، وللنساء لقاءاتهن المفعمة بالود والألفة. قد تبدو هذه الاجتماعات بسيطة في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة إلينا أكثر من مجرد مناسبات اجتماعية؛ إنها مساحة دافئة نستعيد فيها شيئاً من روح الوطن والعائلة.
ففي المهجر لا يبتعد الإنسان عن أرضه فقط، بل يبتعد أيضاً عن شبكة واسعة من الأقارب والجيران وأصدقاء العمر، وعن تفاصيل يومية كان يظنها عادية حتى أدرك قيمتها بعد غيابها. لذلك تصبح هذه اللقاءات جسراً يربطنا بما فقدناه، ويخفف شيئاً من وطأة الغربة ووحشة السنين.
ولعل أجمل ما يميز صداقات هذا العمر أنها نادراً ما تقوم على التنافس. فقد تجاوز معظمنا مرحلة السعي لإثبات الذات، وأصبحت الحياة أكثر وضوحاً في أعيننا. لم نعد نسأل عمّن يملك أكثر أو من حقق إنجازات أكبر، بل أصبحنا نبحث عمن نجلس معه براحة، ونضحك معه بصدق، ونتحدث أمامه من دون تكلّف.
في هذه المرحلة من العمر، لا يحتاج الإنسان إلى كثرة المعارف بقدر حاجته إلى قلة صادقة من الأصدقاء. يحتاج إلى أشخاص يطمئن إلى وجودهم، ويفرح بلقائهم، ويشعر أن أسبوعه يفتقد شيئاً إذا غابوا عنه. فالصداقة بعد الستين ليست ترفاً اجتماعياً، بل هي مصدر من مصادر الراحة النفسية وتجديد الروح، وإثبات أن للحياة أبواباً جميلة لا تزال مفتوحة.
ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الروابط مقتصرة على الأشخاص الذين بدأت بينهم المعرفة، بل امتدت إلى الزوجات والأبناء والعوائل. أصبح الفرح مشتركاً، والسؤال عند المرض واجباً، والمساندة عند الشدائد أمراً طبيعياً. وهكذا تحولت الصداقة شيئاً فشيئاً إلى نوع من القرابة التي لم تصنعها صلة الدم، بل صنعتها المودة والعشرة وحسن الاختيار.
للصحبة الطيبة في هذا العمر طعم خاص. فنحن لا نلتقي لنقاوم الزمن أو نهرب منه، بل لنعيش ما تبقى منه بصورة أجمل. نستعيد ذكريات الوطن، ونتبادل الحديث عن الحاضر، وقد نختلف أحياناً في الرأي، لكننا نعود دائماً إلى المائدة نفسها، لأن الود أوسع من الاختلاف، والصحبة أثمن من أن تفسدها مناقشة عابرة.
لقد علمتنا الغربة أن الوطن ليس مكاناً فحسب، بل قد يصبح وجوهاً نألفها، ولهجة نتحدث بها، وطعاماً نتقاسمه، وضحكة تعيدنا إلى الأزقة والبيوت التي ابتعدنا عنها. وحين نجتمع نشعر أن قطعة صغيرة من الوطن تجلس معنا، لا بما فيها من أرض وجدران، بل بما تحمله من دفء وألفة وذكريات.
ومن أجمل نعم الله على الإنسان أن يجد، في سنوات النضج، أصدقاء يخففون ثقل الأيام ويضيفون إليها معنى جديداً. أصدقاء لم يكونوا جزءاً من البدايات، لكنهم أصبحوا رفاقاً أعزاء في مرحلة لا تقل أهمية عن كل ما سبقها.
فليس للصداقة عمر محدد، ولا تنتهي فرصها عند محطة معينة من الحياة. فقد يمنحنا الزمن، حتى في فصوله المتأخرة، صحبة صادقة تجعل الطريق أخف، والغربة أقل قسوة، والأيام أكثر دفئاً وبهجة.
وما أجمل أن نتقدم في العمر، من دون أن نمضي فيه وحدنا.
جمعة مباركة
نشرت في مدونة د.علاء محمود التميمي

تعليقات