حين تدخل مفردة تدمير الحضارة في خطاب الحربقراءة في أخطر تعبير سياسي معاصر
- قبل 4 أيام
- 3 دقيقة قراءة
د علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
ليست المشكلة في الحروب الحديثة أنها تقتل البشر فقط، أو تدمر الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، بل في أنها بدأت تُصاغ بلغة تتجاوز حدود الحرب نفسها، لتلامس معنى الوجود الإنساني كله. وهذا بالضبط ما يجعل العبارة التي وردت في تغريدة امس للرئيس ترامب
“civilization will die”.
هذه ليست جملة عابرة في سياق سجال سياسي. إنها عبارة تضعنا مباشرة أمام مفردة نادرًا ما تُستعمل في الخطاب اليومي للقادة: قتل الحضارة. فحين ينتقل الكلام من هزيمة خصم، أو معاقبة دولة، أو حتى إسقاط نظام، إلى الحديث عن “قتل الحضارة”، فإننا لا نكون أمام تهديد عسكري تقليدي، بل أمام لغة أبوكاليبسية، Apocalyptic من اليونانية تعني خطاب يستخدم مفردات قصوى لوصف الأحداث وهي مفردة تعني الصورة النهاية الشاملة، لا مجرد النصر أو الهزيمة.
هذه العبارة لم تستخدم من رئيس في وقت الحرب في التاريخ الحديث
وهذا التوصيف، على شدته، يعكس إدراكًا بأن الخطر لم يعد في القرار العسكري وحده، بل في الخيال السياسي الذي يسبق القرار ويبرره.
ماذا يعني أن يتحدث إنسان، أيًّا كان موقعه، بلغة توحي بامتلاك قدرة تقرير مصير الحضارة؟
وهنا تكمن جوهر المسألة: الإنسان المعاصر، بفضل القوة العسكرية والتكنولوجية، بات قادرًا على إلحاق دمار هائل بالحياة، لكنه ما يزال عاجزًا عن ادعاء الحكمة التي تمنحه حق استخدام تلك القدرة بلا حدود.
ومن هنا أيضًا يمكن الربط المباشر بين هذا النوع من الخطاب وبين شبح السلاح النووي. أن فتح الباب أمام هذا المستوى من التهديد هو اللحظة التي يصبح فيها الحديث عن الإنسانية نفسها مشروعًا وضروريًا.
أي أن المسألة لم تعد خلافًا جيوسياسيًا بين دول، بل احتمال انزلاق البشرية إلى نقطة تفقد فيها السياسة عقلها، ويتحول الردع إلى تهور، والقوة إلى غواية تدمير شامل لعصر صار فيه القرار بيد قلة من البشر قادرًا على تهديد مدن كبرى، وشعوب كاملة، وتراكمات تاريخية وثقافية عمرها قرون. فالحضارات لا تختصر في الأبنية والمتاحف، بل في الذاكرة، واللغة، والرمز، والقدرة الجمعية على الاستمرار. وعندما تدخل هذه كلها في مرمى التهديد، يصبح من المشروع أن نسأل: هل ما زلنا في حقل السياسة، أم أننا دخلنا منطقة العدم؟
وهنا أُشير إلى قصة نبوءة دلفي وهي مجموعة من التنبؤات أو الإجابات الغامضة التي كانت تصدر عن كاهنة تُعرف باسم بيثيا (Pythia) في معبد الإله أبولو بمدينة دلفي في اليونان القديم.أوهمت دلفي الملك كرويسوس بأنه إذا عبر النهر سيدمر إمبراطورية عظيمة، لكنه اكتشف لاحقًا أن الإمبراطورية التي دُمّرت كانت إمبراطوريته .
وهذه الإشارة، على بساطتها، تذكّر بحقيقة قديمة تتكرر في كل عصر: من يندفع إلى تدمير الآخرين بلغة الغطرسة، قد يكون في الحقيقة يكتب بداية تدمير نفسه فالتاريخ لا يرحم من يظن أن القوة تكفي وحدها لتقرير مصير الأمم .
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس فقط ما يعلنه، بل ما يكشفه عن تحول في أخلاقيات السلطة. فعندما يصبح الحديث عن الحضارة الإنسانية جزءًا من قاموس الحرب، نكون قد تجاوزنا منطق المصالح إلى منطق أكثر ظلمة: منطق الاستباحة الشاملة، حيث يُعاد تعريف البشر والثقافات والمدن بوصفها عناصر قابلة للمحو في لعبة القوة.
لهذا فإن الواجب الفكري والأخلاقي اليوم ليس الاصطفاف الأعمى لهذا الطرف أو ذاك، بل الدفاع عن مبدأ يطبق على الجميع: أن الحضارة الإنسانية ليست مادة للابتزاز السياسي ولا للتهديد العسكري. وأن من يتحدث عن إفناء الحضارة، أو يلوّح بما يقود إلى ذلك، لا يكشف فقط عن عنف في الموقف، بل عن خلل في تصور الإنسان لحدود سلطته على العالم.
في النهاية، قد تكون الحروب قديمة قدم التاريخ، لكن الجديد في عصرنا أن الإنسان صار قادرًا على تدمير ما لم تستطع جيوش القرون الماضية تدميره. ولهذا فإن أخطر سلاح ليس الصاروخ وحده، بل اللغة التي تبرر إطلاقه. وحين تدخل “الحضارة” في خطاب الحرب، يصبح من حقنا أن نقلق، لا على دولة بعينها فقط، بل على المعنى نفسه الذي يجعلنا بشرًا.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي


تعليقات