حين تفشل القوة
- قبل يومين
- 3 دقيقة قراءة
حين تفشل القوة
د.علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى، تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب حجم التصعيد العسكري، بل لأنها كشفت عن تحولات عميقة في طبيعة القوة والردع والتوازنات الدولية.
فعلى مدى عقود، بُني التصور الأمريكي للقوة العسكرية على فرضية أساسية مفادها أن التفوق الجوي والتكنولوجي كفيل بحسم أي مواجهة خلال فترة قصيرة.
هذا النموذج نجح نسبيًا في حروب مثل العراق عام 1991 أو حرب كوسوفو أو حتى غزو العراق عام 2003، حيث واجهت الولايات المتحدة جيوشًا تقليدية منهكة أو معزولة.
لكن المواجهة الحالية مع إيران أظهرت أن هذا النموذج لم يعد يعمل بالكفاءة ذاتها.
إيران ليست قوة عظمى، لكنها أيضًا ليست دولة قابلة للانهيار السريع.
فهي تمتلك عمقًا جغرافيًا واسعًا، وصناعة عسكرية محلية، وقدرات متطورة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكة إقليمية من الحلفاء والقوى المتحالفة معها.
الأهم من ذلك أن طهران خاضت خلال السنوات الماضية عملية طويلة لتكييف استراتيجيتها العسكرية مع واقع التفوق الأمريكي، فاعتمدت على حرب الاستنزاف، والضربات غير المتماثلة، وتوزيع القدرات العسكرية بدل تركيزها في أهداف ثابتة يسهل تدميرها.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الحرب الحالية:
التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي لم يعد كافيًا لتحقيق الحسم السياسي.
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على إلحاق دمار هائل بالبنية التحتية الإيرانية، لكن القدرة على التدمير لا تعني القدرة على فرض الاستسلام أو إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني.
بل إن استمرار الحرب لفترة طويلة يحمل مخاطر استراتيجية متزايدة على واشنطن وتل أبيب معًا، خصوصًا في ظل هشاشة أسواق الطاقة العالمية واعتماد الاقتصاد الدولي على استقرار الخليج.
الحرب كشفت أيضًا عن تحول مهم في طبيعة الردع.
فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ، أصبحت اليوم أهدافًا معرضة للخطر في أي تصعيد واسع.
الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة غيّرت المعادلة بالكامل، وأصبح استهداف المنشآت العسكرية والقواعد الثابتة أكثر سهولة من أي وقت مضى.
هذا التحول لا يخص إيران وحدها، بل يعكس تغيرًا عالميًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت التكنولوجيا الرخيصة نسبيًا قادرة على تهديد أكثر المنظومات العسكرية تطورًا.
أما إسرائيل، فتبدو اليوم أمام معضلة استراتيجية حقيقية.
فهي من جهة لا تستطيع القبول ببقاء إيران قوة إقليمية تمتلك برنامجًا صاروخيًا و مشروعا نوويا ، لكنها من جهة أخرى لا تملك القدرة على خوض حرب استنزاف طويلة دون دعم أمريكي مباشر ومفتوح.
الحرب في غزة وما تبعها من توسع للمواجهة الإقليمية أظهرت كذلك أن إسرائيل تواجه أزمة متعددة الأبعاد:
• أزمة عسكرية مرتبطة بتعدد الجبهات،
• أزمة سياسية داخلية،
• وأزمة صورة وشرعية على المستوى الدولي.
لقد تراجعت قدرة إسرائيل على تقديم نفسها كدولة “ضحية” في الرأي العام العالمي، خصوصًا مع حجم الدمار الإنساني الهائل في غزة.
وهذا التغير في المزاج الدولي قد لا يوقف الحرب فورًا، لكنه سيؤثر بمرور الوقت على البيئة السياسية التي تتحرك فيها إسرائيل والولايات المتحدة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران أيضًا تدفع ثمنًا باهظًا.
فالاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا من العقوبات والضغوط، وأي حرب طويلة ستزيد الأعباء الداخلية بشكل كبير.
لكن ما تراهن عليه طهران هو أن قدرتها على الصمود أطول من قدرة خصومها على تحمل كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة الحالية.
فلا الولايات المتحدة قادرة بسهولة على تحقيق نصر حاسم، ولا إيران مستعدة للاستسلام، ولا إسرائيل تستطيع التراجع دون الشعور بأنها فقدت الردع.
وهذا يعني أن المنطقة دخلت في معادلة استنزاف مفتوحة، قد تتوسع في أي لحظة إلى صدامات أوسع تشمل الخليج وشرق المتوسط وربما خطوط الطاقة العالمية.
إن أخطر ما تكشفه الحرب الحالية هو أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة يمكن التحكم بها عبر التفوق العسكري التقليدي وحده.
لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الصواريخ والطاقة والاقتصاد والتحالفات الدولية والحرب الإعلامية والسيبرانية في معركة واحدة معقدة ومفتوحة على إحتمالات يصعب التنبؤ بنهايتها.

تعليقات