top of page

حين تصبح الحماية الأمريكية عبئًا: تأملات في حربٍ تعيد صياغة العالم

  • قبل 12 دقيقة
  • 3 دقيقة قراءة

د.علاء محمود التميمي

نيسان ٢٠٢٦


في الحروب التقليدية، تُقاس النتائج بعدد الضحايا، ومساحة الخراب، وحجم الخسائر الاقتصادية. أما في الحروب التي تُخطئ في منطقها منذ البداية، فإن آثارها تمتد أبعد من ذلك بكثير؛ إذ لا تكتفي بإعادة رسم خرائط القوة، بل تُعيد تشكيل الثقة ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي. وهذا بالضبط ما نلمسه اليوم في تداعيات الحرب بين امريكا واسرائيل وايران المتوقفة حاليا بهدنة لمدة ١٥ يوم .


الجميع يتسائل عن تضرر دول الخليج العربية و ماذا يحدث حين تتوقف الحرب باتفاق بين امريكا وايران و تكتشف هذه الدول أن الحماية التي اعتمدت عليها لعقود قد تحولت، في لحظة ما، إلى مصدر خطر؟


على امتداد عقود، قامت معادلة الخليج على افتراض واضح: الأمن مقابل التحالف. كانت الولايات المتحدة تمثل المظلة التي تضمن الاستقرار، وتُوازن التهديدات الإقليمية، وتمنح حلفاءها هامشًا واسعًا من الطمأنينة الاستراتيجية. غير أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة، حين بدا أن ذات القوة التي يُفترض أن تحمي، قادرة أيضًا—بقرار واحد—على جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة، دون أن تكون دولها طرفًا في قرارها.


هنا يبدأ التحول الحقيقي.


فالدول لا تُعيد حساباتها بسبب الخسائر فقط، بل بسبب انكشاف الفرضيات التي قامت عليها سياساتها. والخليج اليوم، كما يبدو، يقف أمام معضلة مركبة: لا يستطيع الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنه لم يعد قادرًا على الوثوق الكامل بها. وبين هذا وذاك، ينشأ فراغ استراتيجي بالغ الخطورة.


في مثل هذه اللحظات، لا تبحث الدول عن الحلفاء بقدر ما تبحث عن تقليل المخاطر. ولهذا، ليس من المستغرب من ناحية الواقعية السياسية أن تتجه بعض العواصم الخليجية مستقبلا إلى تخفيف التوتر مع إيران، لا بدافع التقارب الأيديولوجي، بل من باب البراغماتية الصرفة: تجنب الخسائر إذا تكررت الكارثة.


لكن المفارقة أن هذا التحول لا يعكس قوة في القرار بقدر ما يعكس ضيق الخيارات. فالعالم الذي يتشكل اليوم لا يقدم بدائل جاهزة. الصين، رغم حضورها الاقتصادي، لم تتحول بعد إلى مظلة أمنية. وأوروبا، الغارقة في أزماتها، تبدو أبعد من أن تكون شريكًا استراتيجيًا كاملاً. وهكذا تجد دول الخليج نفسها في منطقة رمادية: بين تحالف لم يعد موثوقًا بالكامل، وبدائل لم تكتمل شروطها بعد.


غير أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود الخليج . فحين تنقل الولايات المتحدة خلال هذه الحرب مواردها العسكرية من اليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، فإنها لا تُعيد ترتيب أولوياتها فحسب، بل تُرسل رسالة ضمنية إلى حلفائها في أماكن أخرى: أن التزاماتها قابلة لإعادة التفسير وفقًا لاعتبارات اللحظة.


وهنا يبدأ التآكل البطيء في الثقة.


اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، قد لا تعلنان شكوكهما صراحة، لكنهما تدركان أن المظلة الأمنية—بما في ذلك النووية—لم تعد بالصلابة التي كانت تُفترض. أما أوروبا، التي تعيش أصلًا توترًا متصاعدًا مع واشنطن، فقد تجد في هذه الحرب دليلًا إضافيًا على ضرورة إعادة تعريف علاقتها عبر الأطلسي، وربما التحرر التدريجي من تبعيتها الاستراتيجية.


إنها لحظة يعاد فيها طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:

هل يمكن لحليف أن يكون مصدر تهديد؟

في العمق، تكشف هذه الحرب عن خلل أعمق من مجرد سوء تقدير عسكري. إنها أزمة في منظومة اتخاذ القرار ذاتها. فالأدبيات الاستراتيجية، منذ عقود، تُحذر من محدودية القوة الجوية في تحقيق تغيير سياسي جذري. وتجارب التاريخ—من فيتنام إلى العراق—تؤكد أن إسقاط الأنظمة ليس عملية تقنية تُنجز بالقصف، بل معادلة معقدة تتشابك فيها السياسة والمجتمع والهوية.

ومع ذلك، جرى اتخاذ القرار وكأن هذه الحقائق غير موجودة و تصبح الحرب أقرب إلى مقامرة منها إلى استراتيجية. وهنا، لا يكون الفشل احتمالًا، بل نتيجة شبه حتمية.

ولعل من نتائج هذه الحرب ايضا أنها لا تُضعف خصمًا بعينه بقدر ما تُضعف الهيمنة الأمريكية فحين يشعر الحلفاء بالقلق، والخصوم بالجرأة، والفاعلون الدوليون بالحيرة، فإن التوازن الذي حكم العالم لعقود يبدأ في التفكك، ولو ببطء.


في مثل هذا السياق، يستعيد المرء مقولة قديمة تُنسب إلى كيسنجر:

“ليس هناك ما هو أسوأ من أن تكون عدوًا للولايات المتحدة… إلا أن تكون حليفًا لها.”


قد تبدو العبارة مبالغًا فيها، لكنها تكتسب اليوم معنى جديدًا. ليس لأن الحلف أصبح عبئًا دائمًا، بل لأنه لم يعد ضمانة مطلقة. وهذا التحول، بحد ذاته، كفيل بإعادة تشكيل سلوك الدول، وربما رسم ملامح نظام دولي جديد .


في النهاية، قد تتوقف هذه الحرب، وقد تُرمم بعض الجسور، وقد تعود الأمور ظاهريًا إلى ما كانت عليه. لكن ما انكسر في العمق—وهو الثقة—لا يُعاد بناؤه بسهولة.


ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ربح هذه الحرب؟

بل: أي عالمٍ سنستيقظ عليه بعدها؟


نشر المقال في مدونة الدكتور علاء التميمي


المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين تدخل مفردة تدمير الحضارة في خطاب الحربقراءة في أخطر تعبير سياسي معاصر

د علاء محمود التميمي نيسان ٢٠٢٦ ليست المشكلة في الحروب الحديثة أنها تقتل البشر فقط، أو تدمر الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، بل في أنها بدأت تُصاغ بلغة تتجاوز حدود الحرب نفسها، لتلامس معنى الوجود الإ

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page