top of page

خاطرة الجمعةالعجوز والبحر… ومضيق هرمز د علاء محمود التميمي

  • قبل 12 ساعة
  • 2 دقيقة قراءة

د علاء محمود التميمي

نيسان ٢٠٢٦


هناك لحظات في التاريخ لا تُفهم عبر البيانات والتقارير، بل عبر الأدب. لحظات تحتاج إلى قصة، إلى استعارة، إلى رجلٍ وحيد في عرض البحر يواجه قدره.

وهنا، تعود بنا الذاكرة إلى رواية «الشيخ والبحر»—ذلك النص المكثّف الذي كتبه إرنست همنغواي، حيث لا يحدث الكثير ظاهريًا، لكن كل شيء يحدث في الداخل.

العجوز سانتياغو لا يخرج للصيد فقط.

يخرج ليختبر نفسه، ليعيد تعريف معنى القوة، ومعنى الكرامة، ومعنى الصمود.

إذا نقلنا هذه الصورة من بحر الرواية إلى واقعنا، نجد مشهدًا آخر، لا يقل كثافة:

مضيق هرمز—ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة تختصر العالم كله.

هنا، لا تتحرك السفن فقط، بل تتحرك معها حسابات السياسة، وموازين القوة، وأعصاب الاقتصاد العالمي.

وفي هذا المسرح، يمكن أن نرى أصداء الرواية تتكرّر:

• البحر… لم يعد ماءً فقط، بل مجالًا للقوة والاختبار.

• السمكة… لم تعد كائنًا حيًا، بل خصمًا عنيدًا، يرفض أن يُختزل إلى هدف سهل.

• والعجوز… لم يعد صيادًا بسيطًا، بل إرادة سياسية تحاول أن تثبت نفسها في مواجهة واقع معقّد.

في رواية همنغواي، لم تكن السمكة مجرد صيد.

كانت خصمًا يفرض الاحترام، قوة صامتة، تُقاوم دون ضجيج، وتستنزف من يواجهها.

وهذا بالضبط ما يجعل الاستعارة مغرية:

في مضيق هرمز، ليست المواجهة دائمًا صاخبة، لكنها عميقة.

هناك صراع لا يُحسم بضربة واحدة، بل يتشكّل عبر الزمن، عبر الصبر، عبر القدرة على التحمل.

أما العجوز—ذلك الرجل الذي يرفض الاعتراف بالهزيمة—فهو أكثر الشخصيات إنسانية في الأدب الحديث.

ليس لأنه انتصر، بل لأنه استمر.

وفي عالم السياسة، نرى هذا النموذج يتكرّر:

إرادة تُراهن على القوة، على الضغط، على فرض الإيقاع.

لكن كما في الرواية، ليست المشكلة في بدء المعركة…

بل في القدرة على تحمّل نهايتها.

الدرس الذي تمنحنا إياه الرواية ليس بسيطًا، لكنه عميق:

قد تنتصر…

لكنك قد تعود بما يشبه الهيكل فقط.

في النهاية، عاد سانتياغو ومعه عظمة السمكة، لا لحمها.

انتصارٌ معنوي، وخسارةٌ مادية.

كرامة محفوظة، وثمن مدفوع.

أليس هذا ما يحدث كثيرًا في صراعات العالم؟

ما يجعل «الشيخ والبحر» رواية خالدة ليس أحداثها، بل صدقها الداخلي.

هي ليست عن البحر، بل عن الإنسان حين يُختبر.

ليست عن الصيد، بل عن المعنى.

ولهذا، حين ننظر إلى مضيق هرمز، أو إلى أي صراع معاصر، قد لا نجد في التحليل السياسي وحده ما يكفي.

نحتاج إلى همنغواي لنفهم ما لا يُقال.

ربما لهذا السبب، تبقى هذه الرواية دعوة مفتوحة:

أن نقرأ العالم…

كما لو كان قصة.

وأن نعيد قراءة القصة…

كما لو كانت العالم نفسه.



المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page