بين المستنصرية وهارفارد: من أسّس فكرة الجامعة… ومن طوّرها؟
- قبل 3 أيام
- 3 دقيقة قراءة
ا.د علاء محمود التميمي
نيسان ٢٩٢٦
حين يُذكر التعليم العالي في الوعي المعاصر، تقفز إلى الذهن أسماء الجامعات الغربية الكبرى، وفي مقدمتها هارفارد، بوصفها رمزًا للمعرفة الحديثة، والبحث العلمي، والنخبة الأكاديمية. غير أن هذا التصور، على وجاهته في جانب منه، يبقى ناقصًا إذا أغفل سؤالًا أكثر عمقًا: هل الجامعة الحديثة اختراع غربي خالص، أم أن جذورها الحضارية أقدم وأوسع من ذلك؟
هنا تبرز المدرسة المستنصرية في بغداد، لا باعتبارها أثرًا معماريًا أو صفحة من التاريخ العباسي فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على أن العالم الإسلامي قد عرف، قبل قرون طويلة من نشوء كثير من الجامعات الغربية الحديثة، نموذجًا مؤسسيًا متقدمًا للتعليم، جمع بين العلم والعمارة والخدمة الاجتماعية والهوية الحضارية. فالمدرسة المستنصرية أُسست سنة 1233م في بغداد في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله، في حين تأسست جامعة هارفارد سنة 1636م، أي بعد المستنصرية بنحو أربعة قرون.
ليست المقارنة هنا دعوة إلى مفاخرة عاطفية، ولا محاولة لإلغاء ما أنجزه الغرب الحديث في تنظيم المعرفة وتطوير البحث العلمي، بل هي محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة: من العدل أن نقر بأن المستنصرية تمثل مرحلة مبكرة وناضجة في تاريخ الجامعة بوصفها مؤسسة حضارية، بينما تمثل هارفارد مرحلة متقدمة من تطور الجامعة الحديثة بوصفها مؤسسة بحثية عالمية.
الجامعة كفكرة حضارية
في المستنصرية، لم يكن التعليم نشاطًا معزولًا عن روح المجتمع والدولة والعمران. المبنى نفسه كان يعبر عن الفكرة: فناء مركزي، إيوانات، غرف للدارسين، انتظام داخلي، وتكامل بين الوظيفة والجمال. لقد كانت الجامعة هنا مكانًا لتكوين الإنسان، لا مجرد مرفق لمنح الشهادات. كانت المعرفة جزءًا من رؤية كبرى للعالم، يتجاور فيها العلم والدين، والعقل والقيمة، والمعمار والرسالة.
أما هارفارد، فقد نشأت في سياق مختلف: سياق الدولة الحديثة، والتوسع المؤسسي، والتخصصات الأكاديمية الدقيقة، ثم تحولت مع الزمن إلى واحد من أهم مراكز إنتاج المعرفة في العالم. قوتها لا تكمن فقط في تاريخها، بل في قدرتها على تطوير البحث، وصناعة النخب، وربط الجامعة بالاقتصاد والدولة والتأثير العالمي. وإذا كانت المستنصرية تمثل الجامعة بوصفها مركز إشعاع حضاري، فإن هارفارد تمثل الجامعة بوصفها محركًا استراتيجيًا لإنتاج المعرفة والسلطة الناعمة.
من العمارة إلى الفلسفة
الفرق بين المؤسستين ليس زمنيًا فقط، بل فلسفي أيضًا. فالمستنصرية تعكس عالمًا يرى العلم جزءًا من انتظام الكون والمجتمع، لذلك جاء تخطيطها المعماري منغلقًا على مركزه، وكأن المعرفة تبدأ من الداخل، من السكينة، من النظام، من الانتماء. أما الجامعات الحديثة الكبرى، مثل هارفارد، فتعكس عالمًا أكثر انفتاحًا وتشعبًا وتخصصًا؛ عالمًا تتحرك فيه الكليات والمختبرات ومراكز الأبحاث ضمن شبكة واسعة من العلاقات المحلية والعالمية.
في المستنصرية، كان الحيز المعماري يحمل المعنى؛ الجدران السميكة، الصحن الداخلي، الظلال، والزخارف كلها لم تكن ترفًا شكليًا، بل جزءًا من فلسفة المكان. وفي هارفارد، يغلب على الحرم الجامعي منطق التوسع الوظيفي والتعدد المعرفي والانفتاح المكاني. هناك فرق بين جامعة تريد أن تصوغ عالمًا متكاملًا داخل جدرانها، وجامعة تريد أن تتفاعل مع عالم مفتوح بلا حدود.
من سبق من؟
إذا كان المقصود بالسؤال: من سبق في إنشاء مؤسسة تعليم عالٍ منظمة، فإن المستنصرية تقف بوضوح في موقع متقدم تاريخيًا. أما إذا كان المقصود: من نجح في تطوير الجامعة الحديثة إلى ذروة عالمية في البحث والتأثير، فإن هارفارد تمثل هذا الإنجاز دون شك. من هنا، فإن المقارنة النزيهة لا تقوم على نفي أحد الطرفين، بل على فهم اختلاف المرحلة والوظيفة والسياق.
لقد سبقت المستنصرية هارفارد زمنيًا، لكن هارفارد سبقت كثيرًا من جامعات العالم المعاصر في تحويل الجامعة إلى مؤسسة عالمية التأثير. الأولى تعلمنا أن الحضارة الإسلامية لم تكن هامشًا في تاريخ المعرفة، والثانية تعلمنا أن من يطوّر المؤسسة ويجددها يملك القدرة على قيادة العصر.
الحاجة إلى استعادة التوازن
المشكلة في وعينا الثقافي اليوم ليست أننا نعترف بتميز الجامعات العالمية الحديثة، بل أننا نفعل ذلك أحيانًا على حساب ذاكرتنا الحضارية. نحن لا نحتاج إلى تمجيد الماضي على حساب الحاضر، ولا إلى تمجيد الحاضر على حساب الماضي؛ نحن نحتاج إلى تركيب فكري يعترف بأن الأمة التي أنشأت المستنصرية قادرة، من حيث المبدأ، على أن تنشئ جامعة معاصرة تضاهي هارفارد، إذا استعادت شروط الفعل: الرؤية، والإدارة، والحرية، والبحث، والاستثمار في الإنسان.
المستنصرية تقول لنا إننا كنا نملك فكرة الجامعة. وهارفارد تقول لنا إن النجاح لا يكفي أن يبدأ مبكرًا، بل يجب أن يستمر ويتطور ويتجدد. بينهما درس بالغ الأهمية: الحضارات لا تُقاس فقط بمن بدأ أولًا، بل بمن حافظ على الفكرة وطوّرها وأعاد إنتاجها في كل عصر.
خاتمة
ليست المقارنة بين المستنصرية وهارفارد مسابقة بين أنقاض الماضي ومختبرات الحاضر، بل هي حوار بين مرحلتين من تاريخ العقل الإنساني. المستنصرية دليل على أن بغداد كانت يومًا منارة للعلم والعمران والجامعة. وهارفارد دليل على أن المؤسسة التعليمية، حين تجد من يراكم عليها ويحدثها، تستطيع أن تتحول إلى قوة عالمية.
الإنصاف يقتضي أن نقول:
المستنصرية أسست مبكرًا معنى الجامعة الحضارية، وهارفارد طورت باقتدار معنى الجامعة الحديثة.
وبين هذين المعنيين، تقف أمتنا اليوم أمام سؤال مصيري:
هل نكتفي بالافتخار بأننا بدأنا مبكرًا، أم نبدأ من جديد لنصنع جامعة تليق بتاريخنا وعصرنا معًا؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

تعليقات