top of page

هدنة ال ١٥ يوم : قراءة في توازن القلق بين واشنطن وطهران

  • قبل 4 أيام
  • 2 دقيقة قراءة

د. علاء محمود التميمي

نيسان ٢٠٢٦


في لحظةٍ بدت فيها المنطقة على حافة انزلاقٍ واسع نحو مواجهة مفتوحة، جاء الإعلان المتزامن من واشنطن وطهران عن هدنة لمدة خمسة عشر يومًا، يترافق – كالمعتاد – مع إعلان الطرفين تحقيق “النصر”. غير أن القراءة الهادئة، خارج ضجيج الخطاب السياسي، تكشف أن ما جرى لا يندرج في خانة الانتصارات، بل في نطاقٍ أكثر تعقيدًا: إدارة التراجع دون الاعتراف به.


هذه الهدنة، في جوهرها، ليست اتفاقًا، بل تعليقٌ مؤقت لصراعٍ بلغ سقف كلفته. فحين تتقاطع حدود القوة مع حدود الاحتمال، يصبح التوقف ليس خيارًا أخلاقيًا أو سياسيًا، بل ضرورة عملياتية. لا أحد هنا انتصر، لكن الجميع أدرك أن الاستمرار قد يقود إلى ما لا يمكن احتواؤه.


من الناحية الاستراتيجية، يمكن توصيف هذه اللحظة بأنها توازن ردع هش:

الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل – لم تتمكن من فرض حسم سريع يعيد تشكيل قواعد الاشتباك، وإيران، رغم قدرتها على الإيلام، لم تملك أدوات نقل المعركة إلى مستوى يغيّر ميزان القوى جذريًا. وهكذا، وجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة كلاسيكية: القدرة على التصعيد موجودة، لكن كلفته تتجاوز العائد المتوقع.


أما إعلان “النصر” من كلا الجانبين، فلا ينبغي أن يُقرأ كتناقض بقدر ما هو انعكاس لقانون ثابت في الحروب الحديثة: إدارة الرواية لا تقل أهمية عن إدارة الميدان. في الداخل الأمريكي، لا بد من تأكيد الهيبة ومنع انطباع التراجع. وفي الداخل الإيراني، لا بد من تثبيت سردية الصمود والردع. وبين السرديتين، تضيع الحقيقة البسيطة: لم يُهزم أحد، لكن أحدًا لم ينتصر.


اللافت أن مدة الهدنة – خمسة عشر يومًا فقط – تحمل دلالتها بوضوح. فهي ليست زمنًا لبناء الثقة، بل فترة اختبار نوايا، أقرب إلى “استراحة مسلحة” منها إلى مسار تهدئة مستقر. إنها مهلة لإعادة التموضع، سياسيًا وعسكريًا، وربما اقتصاديًا، في ظل إدراك عميق لدى الطرفين بأن أي خطأ في الحساب قد يعيد إشعال المواجهة بوتيرة أعلى.


في العمق، تعكس هذه الهدنة تحوّلًا مهمًا في طبيعة الصراع: من البحث عن الحسم إلى إدارة المخاطر. فالمسألة لم تعد من يربح الحرب، بل من يستطيع منعها من التوسع. وهنا تحديدًا تتقاطع حسابات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الأسواق العالمية، مع الحسابات العسكرية البحتة. إن مضيق هرمز، في هذا السياق، ليس مجرد ممر مائي، بل خط تماس عالمي، وأي عبث به يتجاوز الإقليم ليطال النظام الاقتصادي الدولي برمّته.


لذلك، يمكن القول إن هذه الهدنة تمثل لحظة إدراك مشتركة – وإن لم يُعلن عنها – بأن الصراع خرج من نطاق السيطرة التقليدية، وأن أدوات القوة الصلبة لم تعد كافية لتحقيق أهداف سياسية دون أثمان باهظة.


ما نشهده باختصار ليس نهاية مواجهة، ولا حتى بداية سلام، بل:

تجميدٌ مؤقت لصراعٍ مفتوح، فرضه توازن الردع وخشية الانزلاق إلى حربٍ لا يملك أيٌّ من أطرافها القدرة على احتوائها.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس النجاح بما تحقق، بل بما تمّ تفاديه.


نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي


المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين تدخل مفردة تدمير الحضارة في خطاب الحربقراءة في أخطر تعبير سياسي معاصر

د علاء محمود التميمي نيسان ٢٠٢٦ ليست المشكلة في الحروب الحديثة أنها تقتل البشر فقط، أو تدمر الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، بل في أنها بدأت تُصاغ بلغة تتجاوز حدود الحرب نفسها، لتلامس معنى الوجود الإ

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page