top of page

تكريمُ الأممِ لعلمائها… بين الذاكرة الحيّة والنسيان المؤلم

  • قبل يومين
  • 3 دقيقة قراءة

د. علاء محمود التميمي

نيسان ٢٠٢٦


في مسيرة الأمم، لا تُقاس النهضة بما يُشيَّد من أبنية فحسب، بل بما يُشيَّد في الذاكرة الجماعية من تقديرٍ للعلم والعلماء. فالعالِم، في جوهره، ليس منتج معرفةٍ فحسب، بل صانعُ معنى، ومهندسُ مستقبل. ومن هنا، تتفاوت الأمم لا في عدد علمائها فقط، بل في قدرتها على صون إرثهم وترسيخه في الوعي العام.


في أوروبا وأمريكا، لا يُترك العالِم طيَّ النسيان. هناك منظومة متكاملة تجعل من العلم جزءًا من الهوية الوطنية. في فرنسا، لا يُختصر تكريم العلماء في نصبٍ تذكاري أو شارعٍ يحمل اسمًا، بل يمتد إلى صميم المؤسسات الأكاديمية نفسها. فقد حملت جامعة باريس السادسة التي حصلت منها على شهادة الدكتوراه في الهندسة عام ١٩٨٥ اسم بيير وماري كوري، تخليدًا لإسهاماتهما في الفيزياء والكيمياء، وكأن كل طالبٍ يدخلها يمرّ أولًا عبر ذاكرة العلم. أما في بريطانيا، فإن إرث إسحاق نيوتن لا يقتصر على الكتب، بل يتجلى في مؤسسات علمية، ومنح دراسية، وتماثيل تُذكّر الأجيال بأن هذا الرجل غيّر فهمنا للكون.


وفي الولايات المتحدة، يتحول العلماء إلى رموز وطنية حيّة: أسماء مثل توماس إديسون ونيكولا تسلا تُخلّد في المتاحف، وتُدرّس في المناهج، وتُستثمر في الثقافة الشعبية، حتى يصبح العلم جزءًا من الهوية الوطنية. الجامعات تُسمّي قاعاتها ومختبراتها بأسماء الرواد، والجوائز تُمنح بأسمائهم، والمدينة نفسها تحتفي بهم كأبناءٍ بارّين.


هذه الممارسات ليست مجرد احتفاء رمزي، بل هي سياسة ثقافية عميقة: رسالة دائمة للأجيال بأن طريق التقدّم يمر عبر المعرفة، وأن العالِم هو أحد أعمدة الكرامة الوطنية.


في المقابل، نجد في العراق – مع الأسف – أن هذا التقليد ضعيف أو شبه غائب. لدينا تاريخ زاخر بعلماء ومفكرين أسهموا في بناء المعرفة، قديمًا وحديثًا، لكن أسماءهم لا تحضر في الفضاء العام كما ينبغي.


يكفي أن نستذكر من تراثنا العلمي أسماء خالدة مثل:

• الخوارزمي، الذي أسّس علم الجبر وفتح الباب أمام الرياضيات الحديثة.

• ابن الهيثم، رائد علم البصريات والمنهج العلمي التجريبي.

• الرازي، أحد أعظم الأطباء في التاريخ.


وفي العصر الحديث، برز علماء عراقيون كان لهم حضور علمي رفيع، منهم:

• الدكتور عبد الجبار عبد الله، عالم الفيزياء ورئيس جامعة بغداد الأسبق عام ١٩٥٨ و الدكتور عبد العزيز الدوري اول رئيس لجامعة بغداد ١٩٤٩ و الدكتور جعفر ضياء جعفر، أحد أبرز علماء الفيزياء والدكتور مهدي حنتوش في الهيدروليك، ممن تركوا بصمات علمية واضحة في تخصصاتهم.

كذلك الدكتور فيصل الوائلي عالم الآثار والدكتور كمال السامرائي في الطب، وغيرهم من الكفاءات التي خدمت الإنسانية من مواقع مختلفة.


هذه الأسماء ليست مجرد شخصيات في كتب التاريخ، بل هي نماذج حيّة لما يمكن أن يقدّمه العقل العراقي حين تتوفر له البيئة المناسبة.


لكن السؤال المؤلم: أين هي هذه الأسماء اليوم في فضائنا العام؟

كم شارعًا يحمل اسم عبد الجبار عبد الله؟

كم مؤسسة تعليمية تُخلّد ابن الهيثم؟

وكم طالبًا يعرف اليوم من هو الدكتور مهدي حنتوش ؟


المشكلة ليست في غياب العلماء، بل في غياب ثقافة التكريم المؤسسي. لقد انصرف الاهتمام العام، في كثير من الأحيان، إلى السياسيين أو نجوم الفن والرياضة، بينما بقي العلماء في الظل، رغم أن أثرهم هو الأعمق والأبقى.


إن إعادة الاعتبار للعلماء ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالأمة التي لا تُكرّم علمها، تُضعف دافع الإبداع لدى أبنائها. أما حين يرى الشاب أن العالِم يُحتفى به، وتُخلّد ذكراه، وتُروى سيرته، فإنه يدرك أن للعلم مكانة، وأن طريق الاجتهاد ليس طريقًا منسيًا.


ما الذي يمكن فعله؟

يمكن البدء بخطوات عملية واضحة:

• تسمية الشوارع والمؤسسات التعليمية بأسماء العلماء العراقيين.

• إدراج سيرهم وإنجازاتهم في المناهج الدراسية.

• إنشاء جوائز علمية وطنية تحمل أسماءهم.

• توثيق أعمالهم في متاحف ومراكز بحثية.

• إنتاج محتوى إعلامي وثقافي يُعرّف بهم للأجيال الجديدة.


إن تكريم العلماء هو في جوهره تكريم للعقل، وإعلانٌ بأن الأمة اختارت أن تبني مستقبلها على المعرفة لا على الضجيج. ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن نستعيد أسماءنا المنسية، ونمنحها المكانة التي تستحقها في ذاكرة الوطن.


رحم الله من رحل منهم، وحفظ من بقي، وجعل العلم في بلادنا قيمةً يُحتفى بها، لا ذكرى تُستعاد.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي




المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين تدخل مفردة تدمير الحضارة في خطاب الحربقراءة في أخطر تعبير سياسي معاصر

د علاء محمود التميمي نيسان ٢٠٢٦ ليست المشكلة في الحروب الحديثة أنها تقتل البشر فقط، أو تدمر الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، بل في أنها بدأت تُصاغ بلغة تتجاوز حدود الحرب نفسها، لتلامس معنى الوجود الإ

 
 
 
ما بعد حرب إيران: لماذا هذه السلسلة؟ ولماذا نبدأ من سؤال السقوط والانتصار؟

د. علاء محمود التميمي آذار ٢٠٢٦ في لحظات التحول الكبرى، لا تكفي الأخبار العاجلة، ولا التصريحات المتسرعة، ولا الانفعالات السياسية لفهم ما يجري. فالأحداث الكبرى، ولا سيما في الشرق الأوسط، لا تُقاس فقط ب

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page