ما بعد حرب إيران: لماذا هذه السلسلة؟ ولماذا نبدأ من سؤال السقوط والانتصار؟
- قبل 3 أيام
- 4 دقيقة قراءة
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
في لحظات التحول الكبرى، لا تكفي الأخبار العاجلة، ولا التصريحات المتسرعة، ولا الانفعالات السياسية لفهم ما يجري. فالأحداث الكبرى، ولا سيما في الشرق الأوسط، لا تُقاس فقط بما يقع في يومٍ أو أسبوع، بل بما تفتحه من احتمالات لما بعده: احتمالات الاستقرار أو الفوضى، احتمالات إعادة التوازن أو تفكك الإقليم، واحتمالات أن يمتد الأثر من حدود المنطقة إلى أوروبا والعالم وأسواق الطاقة.
من هنا تأتي هذه السلسلة الجديدة، التي أحاول من خلالها أن أتناول، على حلقات متتابعة، واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية وتعقيدًا في هذه المرحلة: ماذا لو خسرت إيران؟ ماذا لو سقط نظامها؟ وماذا لو خرجت إسرائيل من هذه المواجهة وهي الطرف المنتصر استراتيجيًا؟ وكيف سينعكس ذلك على الخليج، وعلى العراق وبلاد الشام، وعلى أوروبا، وعلى الطاقة العالمية، وعلى شكل النظام الإقليمي والدولي كله؟
ليس الهدف من هذه السلسلة أن ننجرّ إلى منطق التشجيع السياسي الساذج، وكأننا أمام مباراة تنتهي بإعلان فائز وخاسر، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته. فالصراعات الكبرى لا تنتهي بهذه البساطة. وقد علمتنا تجارب العقود الأخيرة أن سقوط الأنظمة لا يعني دائمًا قيام الاستقرار، وأن انتصار القوى العسكرية لا يعني بالضرورة نشوء نظامٍ أكثر أمنًا أو عدلًا أو توازنًا.
ما أسعى إليه هنا هو قراءة أكثر هدوءًا وواقعية، تحاول أن تذهب إلى ما وراء العناوين المباشرة، وتسأل الأسئلة التي غالبًا ما تُؤجل أو تُهمَل في خضم الصراع:
ماذا يحدث بعد الهزيمة؟
من يملأ الفراغ؟
هل يؤدي ضعف إيران إلى استقرار المنطقة أم إلى انفجار تنافسات جديدة؟
وهل يعني صعود إسرائيل حسمًا استراتيجيًا طويل الأمد، أم أنه يفتح الباب أمام اختلالات أخطر في المدى الأبعد؟
وماذا يحدث لأسواق النفط والغاز، ولأمن الممرات البحرية، إذا اهتزّ أحد أكبر مراكز التوازن والاضطراب في آن واحد داخل الشرق الأوسط؟
أولًا: لماذا نبدأ من السؤال الإيراني؟
لأن إيران ليست دولة عادية في الإقليم، وليست مجرد نظام سياسي يمكن عزله عن بيئته. إنها دولة كبرى من حيث السكان، والجغرافيا، والموارد، والبنية العسكرية، والامتداد السياسي في عدد من ساحات الشرق الأوسط. ولهذا فإن أي هزيمة كبرى تتعرض لها، أو أي سقوط داخلي مفاجئ لنظامها، لن يبقى شأنًا إيرانيًا داخليًا، بل سيتحول مباشرة إلى حدث إقليمي ودولي.
لكن التحليل الجاد يبدأ من تمييز بالغ الأهمية: سقوط النظام ليس هو سقوط الدولة.
قد يسقط النظام وتبقى الدولة، بما فيها من مؤسسات وجيش وإدارة وحدود وقدرة على ضبط الداخل. وفي هذه الحالة، ورغم الصعوبات، يبقى هناك مجال لانتقال مضطرب لكنه قابل للاحتواء.
أما إذا سقط النظام بطريقة عنيفة، وانهارت معه الدولة المركزية، فإننا لا نكون أمام تحول سياسي فحسب، بل أمام زلزال جيوسياسي مفتوح على احتمالات الفوضى، والنزوح، والتمزق الداخلي، والتدخلات الخارجية.
ولهذا فإن السؤال الأول في هذه السلسلة لن يكون: هل يسقط النظام الإيراني؟
بل: إذا سقط، فكيف يسقط؟ وماذا يبقى بعده؟
ثانيًا: لماذا يجب أن نضيف سؤال انتصار إسرائيل؟
لأن الصورة لا تكتمل إذا نظرنا إلى خسارة إيران وحدها. فكل خسارة كبرى في السياسة يقابلها طرف يرى نفسه رابحًا، أو يُنظر إليه بوصفه المستفيد الأكبر. وإذا انتهت المواجهة إلى إضعاف إيران بشدة، أو إلى تقويض مشروعها الإقليمي، فإن إسرائيل ستكون المرشح الأول لاعتبار ذلك نصرًا استراتيجيًا.
لكن السؤال هنا أيضًا ليس بسيطًا.
هل يعني انتصار إسرائيل قيام شرق أوسط أكثر استقرارًا؟
أم يعني انتقال إسرائيل من دولة متفوقة عسكريًا إلى قوة مهيمنة نسبيًا، بما يثير ردود فعل جديدة، ويعمّق اختلال التوازن في المنطقة، ويجعل الصراع يأخذ أشكالًا مختلفة بدل أن ينتهي؟
إن انتصار إسرائيل، إذا تحقق، لن يكون حدثًا عسكريًا محضًا، بل تحوّلًا في ميزان القوة الإقليمي كله. فهو قد يضعف خصمًا رئيسيًا، ويقلص نفوذًا ممتدًا في أكثر من ساحة، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام أسئلة أشد تعقيدًا:
من يملأ الفراغ في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟
كيف تنظر دول الخليج إلى صعود إسرائيل من موقع التفوق إلى موقع الهيمنة؟
وهل يستطيع الإقليم أن يتحمل اختلالًا أكبر في ميزان القوة من دون أن يُنتج مقاومات جديدة، أو تحالفات مضادة، أو أشكالًا غير تقليدية من الرد؟
ثالثًا: الخليج ليس متفرجًا
في كثير من القراءات السريعة، يبدو الخليج وكأنه المستفيد الطبيعي من تراجع إيران. وهذا صحيح جزئيًا، لكنه ليس الحقيقة كلها. فدول الخليج لا تتعامل فقط مع فكرة “خصم يضعف”، بل مع احتمال أن تتحول الضفة المقابلة من الخليج إلى مساحة اضطراب مزمن، أو أن يتغير ميزان القوة الإقليمي لمصلحة طرف آخر يملك فائضًا متزايدًا من القوة والنفوذ.
من هنا، فالسؤال الخليجي في هذه السلسلة سيكون مزدوجًا:
هل يعني تراجع إيران فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن والوزن الإقليمي؟
أم أن انهيارها — أو حتى مجرد إضعافها الشديد — قد يطلق مخاطر جديدة تتعلق بالملاحة، والطاقة، والجماعات المنفلتة، وإعادة تشكيل التوازنات في الإقليم؟
ثم إن الخليج ليس معنيًا بالأمن فقط، بل بالطاقة أيضًا. ففي منطقة ترتبط فيها السياسة بالنفط والغاز والممرات البحرية، لا يمكن فصل ميزان القوى العسكري عن استقرار الاقتصاد العالمي. وأي تحوّل كبير في إيران أو حولها سينعكس على أسعار الطاقة، وعلى ثقة الأسواق، وعلى كلفة التأمين البحري، وعلى قدرة العالم على الوصول المنتظم إلى إمداداته الحيوية.
رابعًا: أوروبا والعالم ليسا بعيدين
قد يبدو الصراع للوهلة الأولى شرق أوسطيًا، لكن نتائجه لا تبقى داخل خرائط المنطقة. فإذا سقطت إيران أو دخلت في فوضى عميقة، فإن أثر ذلك لن يتوقف عند حدود الجوار المباشر. أوروبا ستجد نفسها أمام أسئلة الهجرة، واللجوء، والأمن، وصعود اليمين الشعبوي. والاقتصاد العالمي سيتأثر بأي اضطراب في الطاقة أو في الممرات البحرية. أما النظام الدولي، فسيواجه اختبارًا جديدًا حول من يملك القدرة على إدارة الأزمات الكبرى، ومن يملأ الفراغ حين تنكسر إحدى القوى الإقليمية الرئيسية.
لهذا، فإن هذه السلسلة لن تنظر إلى ما يحدث بوصفه شأناً إقليميًا معزولًا، بل باعتباره عقدة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد، والطاقة مع الأمن، والهجرة مع الهوية السياسية، والتفوق العسكري مع حدود القدرة على إنتاج الاستقرار.
خامسًا: ما الذي ستتناوله هذه السلسلة؟
ستنطلق هذه الحلقات من مجموعة أسئلة مترابطة، أبرزها:
• هل يعني سقوط النظام الإيراني نهاية أزمة، أم بداية فوضى أكبر؟
• ماذا يحدث إذا خرجت إسرائيل من الصراع منتصرة استراتيجيًا؟
• هل يكون الخليج أمام فرصة تاريخية، أم أمام بيئة أكثر هشاشة؟
• كيف تنعكس خسارة إيران وربح إسرائيل على العراق وبلاد الشام؟
• ماذا سيحدث لأسواق النفط والغاز والطاقة العالمية؟
• كيف ستتعامل أوروبا مع ارتدادات الهجرة والاضطراب؟
• وهل نحن أمام شرق أوسط جديد، أم أمام فوضى متعددة المراكز؟
خاتمة البداية
لهذا، لا أرى أن السؤال الصحيح هو: من نريد أن ينتصر؟
بل: أي نوع من الانتصار؟ وأي نوع من الهزيمة؟ وماذا سيبقى من المنطقة بعد ذلك؟
فالسياسة الجادة لا تقف عند لحظة السقوط، بل تبدأ منها. ولا تنشغل فقط بمن يهزم من، بل بما إذا كانت الهزيمة ستُغلق بابًا من أبواب الأزمات، أو ستفتح أبوابًا أكبر منها. وكذلك لا تنبهر بمجرد صعود طرفٍ ما، بل تسأل: هل يستطيع هذا الصعود أن ينتج نظامًا أكثر استقرارًا، أم أنه سيولد أشكالًا جديدة من الاختلال والتوتر؟
من هنا تبدأ هذه السلسلة.
وسنبدأ أولًا بالسؤال الجوهري:
هل يعني سقوط النظام الإيراني نهاية أزمة، أم بداية فوضى أكبر؟
نشرت في مدونة الدكتور المهندس علاء محمود التميمي

تعليقات