top of page

‎حين يتحول “النجاح العسكري” إلى وصفة لحرب أطول

  • قبل يوم واحد
  • 3 دقيقة قراءة

د. علاء محمود التميمي

آذار ٢٠٢٦


في أزمنة التوتر والحروب، يكثر الحديث عن “العمليات الناجحة” و“الضربات الحاسمة” و“الإنجازات العسكرية الكبرى”. لكن التجربة الحديثة، في الشرق الأوسط وفي غيره، تعلمنا درساً مختلفاً: ليس كل نجاح عسكري يفتح باب السلام، بل إن بعض النجاحات التكتيكية القصيرة تتحول سريعاً إلى هزائم سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.


هذا بالضبط ما ينبغي التوقف عنده في أي مواجهة كبرى مع دولة بحجم إيران وموقعها وقدراتها وشبكة امتداداتها الإقليمية. فالحرب، مهما بدا لبعضهم أنها تحقق مكاسب عاجلة، قد تنتج في الواقع بيئة أكثر خطورة، وأشد توتراً، وأقل قابلية للتسوية.


إن قتل القيادة السياسية أو الرمزية في أي دولة لا يعني بالضرورة إسقاط النظام أو إنهاء الأزمة. ففي كثير من الأحيان، يتحول القائد المقتول إلى رمز تعبوي، وتظهر من بعده قيادات أشد صلابة وأقل استعداداً للتراجع أو التفاوض. وهكذا لا تنتهي المشكلة، بل تنتقل إلى طور أكثر حدة. فالحرب لا تقتل الأشخاص فقط، بل قد تقتل معها فرص الاعتدال، وتدفع بالمشهد كله نحو مزيد من التشدد والانغلاق.


وفي لحظات الصدمة الوطنية، تميل المجتمعات والدول إلى الالتفاف حول المؤسسات الأكثر صلابة وخشونة، لا حول الأصوات المدنية أو الإصلاحية. وهذا يعني أن الحرب الخارجية قد تعطي دفعة كبرى للمؤسسات العسكرية والأمنية والعقائدية، فتزيد نفوذها وتراجع مساحة السياسة والعقل والتسوية. ومن هنا فإن من يظن أن القصف وحده كفيل بإنتاج شرق أوسط أكثر أمناً، يتجاهل أن القوة العارية كثيراً ما تعيد إنتاج خصوم أكثر تصلباً، لا أقل.


ثم إن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الطرف الأضعف على إرباك الطرف الأقوى بكلفة منخفضة. لقد أصبح ممكناً اليوم للطائرات المسيّرة الرخيصة، وللهجمات غير المتماثلة، وللضربات التي تستهدف الاقتصاد والبنية التحتية والممرات البحرية، أن تُحدث أثراً يفوق أحياناً كلفة السلاح المستخدم بمئات المرات. وهذا بحد ذاته يثبت أن منطق الحرب لم يعد مضمون النتائج، وأن التفوق العسكري التقليدي لم يعد يعني بالضرورة قدرة كاملة على التحكم بمسار الأحداث.


ومن أخطر ما تكشفه هذه الحروب أن الاقتصادات الإقليمية الهشة، أو حتى القوية، ليست بمنأى عن الخطر. فحين تصبح الموانئ، والمنشآت النفطية، والمطارات، وطرق التجارة، والممرات البحرية أهدافاً محتملة، فإن آثار الحرب لا تبقى في ساحة القتال، بل تمتد إلى حياة الناس اليومية: إلى أسعار الطاقة، والتأمين، والنقل، والغذاء، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعي. وهنا يصبح المدنيون، مرة أخرى، هم الذين يدفعون الثمن الأكبر، حتى لو لم يكونوا طرفاً في القرار ولا في المعركة.


وإذا كانت بعض الحروب تُشن تحت عنوان منع الانتشار النووي، فإن المفارقة المؤلمة هي أنها قد تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً. فالدولة التي تتعرض لضربات قاسية، وترى أن الاتفاقات لا تحميها، وأن التفاوض لا يردع خصومها، قد تخرج باستنتاج بالغ الخطورة: أن الضمانة الوحيدة للبقاء هي امتلاك أقصى درجات الردع. وبهذا تتحول الحرب من أداة معلنة لمنع السلاح النووي إلى حافز فعلي للسعي إليه.


كذلك فإن أي ضربة عسكرية واسعة لا تصيب الجغرافيا فقط، بل تصيب السياسة نفسها. فعندما يشعر الطرف المستهدف أن باب التفاوض لم يكن جدياً، أو أن الدبلوماسية لم تكن سوى غطاء مؤقت، تتراجع فرص العودة إلى الطاولة، ويصبح الخطاب الغالب هو خطاب القوة والثأر والردع. وهكذا تُغلق النوافذ الصغيرة التي كانت ما تزال تسمح بإمكانية الاحتواء، وتدخل المنطقة في زمن سياسي أكثر ظلاماً، حيث تتراجع اللغة العقلانية لمصلحة لغة السلاح.


ومن الوهم أيضاً الاعتقاد أن الحرب ستظل محصورة داخل حدود معينة أو تحت سقف مضبوط. فالمنطقة مترابطة: اقتصاداً، وطاقةً، وممراً بحرياً، وتحالفاتٍ، ومخاوفَ أمنية. ولذلك فإن أي حرب كبرى لن تبقى شأناً ثنائياً بين طرفين فقط، بل ستُلقي بظلالها على الخليج كله، وعلى أسواق العالم، وعلى حسابات الدول الكبرى، وعلى استقرار مجتمعات بأكملها. والحروب، كما علمتنا التجارب، تبدأ غالباً بخطة، لكنها نادراً ما تنتهي وفق الخطة نفسها.


لهذا كله، فإن الاحتفاء بالحرب بوصفها “نجاحاً” قد يكون في الحقيقة نوعاً من قصر النظر السياسي. النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف التي ضُربت، ولا بعدد القادة الذين قُتلوا، بل بقدرة الفعل السياسي على تقليل احتمالات الانفجار، وتوسيع فرص التسوية، وحماية المدنيين، ومنع الإقليم من الانزلاق إلى دوامة لا تنتهي من الردود والردود المضادة.


إن الشرق الأوسط لا يحتاج اليوم إلى حرب جديدة تُسوَّق على أنها خلاص، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بأن القوة وحدها لا تصنع سلاماً. فالسلام العادل لا يولد من ركام المدن، ولا من إذلال الشعوب، ولا من توسيع مشاعر الثأر والكراهية، بل من فهم عميق لحقيقة المنطقة، ولمحدودية الحلول العسكرية، ولضرورة بناء ترتيبات أمنية وسياسية تقلل أسباب الانفجار بدلاً من إعادة إنتاجها.


ضد الحرب نقف، لا لأننا نتوهم براءة الأنظمة أو نغفل أخطاءها، بل لأننا نعرف أن الحرب، حين تبدأ، لا تميز كثيراً بين مذنب وبريء، ولا بين هدف عسكري وإنسان عادي، ولا بين نصر سريع وكارثة طويلة. والحكمة ليست في إطلاق النار متى استطعنا، بل في منع الحريق قبل أن يلتهم الجميع.



المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
“حين تتحدث الحرب بثلاثة أصوات

د علاء التميمي آذار ٢٠٢٦ ك في زمن الحرب يبدو المشهد وكأنه حديثٌ واحد، لكنه في الحقيقة حوارٌ بين عوالم مختلفة. فليس كل من يتكلم عن الحرب يقصد الشيء نفسه، ولا ينطلق من المكان نفسه. الدول يفترض ان تنظر إ

 
 
 
الدولة المدنية في العراق: سؤال المستقبل

يتكرر في النقاش السياسي العراقي سؤال يبدو بسيطاً لكنه عميق: هل يمكن قيام دولة مدنية حديثة في العراق؟ يظن البعض أن المسألة تتعلق بالدستور أو الانتخابات أو شكل النظام السياسي. لكن التجارب التاريخية تشي

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page