top of page

غرينلاند… عندما تتحول الجغرافيا إلى سؤال أخلاقي


تعود غرينلاند إلى الواجهة كلما اشتدّ التنافس الدولي في القطب الشمالي. جزيرة هادئة، قليلة السكان، لكنها أصبحت فجأة محط أنظار القوى الكبرى، وكأن ذوبان الجليد كشف معها شهية سياسية قديمة بثوب جديد.


بالنسبة للدنمارك، غرينلاند ليست عبئاً ولا تفصيلاً هامشياً. هي جزء من المملكة، ومسؤولية سياسية وتاريخية، قبل أن تكون مسألة نفوذ. العلاقة بين كوبنهاغن وغرينلاند ليست مجرد خرائط، بل التزام بإدارة شؤون إقليم يتمتع بالحكم الذاتي، واحترام خصوصية شعب له ثقافته وتطلعاته. أي نقاش حول مستقبل غرينلاند يمسّ مباشرة مفهوم السيادة واحترام القانون الدولي.


أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى غرينلاند من زاوية مختلفة. الموقع الجغرافي للجزيرة يجعلها حلقة مهمة في منظومة الأمن والدفاع في شمال الأطلسي، ونقطة متقدمة في عالم يتغير بسرعة. ومع فتح طرق ملاحة جديدة وازدياد أهمية الموارد الطبيعية، تبدو غرينلاند في الحسابات الأمريكية موقعاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.


لكن الإشكالية لا تكمن في فهم المصالح، فالمصالح جزء طبيعي من السياسة الدولية. المشكلة تبدأ عندما تُختزل الأرض في قيمتها العسكرية أو الاقتصادية، ويُهمَّش صوت سكانها، وكأنهم تفصيل قابل للتجاوز. غرينلاند ليست عقاراً سياسياً معروضاً للبيع، ولا مساحة فارغة تنتظر من يضع يده عليها.


وإذا قررت الولايات المتحدة المضيّ في خطوة ضمّ غرينلاند، فإن التداعيات لن تكون محصورة في حدود الجزيرة، بل ستتجاوزها إلى النظام الدولي بأكمله. ستكون تلك ضربة مباشرة لمبدأ السيادة، وسابقة خطيرة تعيد إلى الواجهة منطق التوسّع الذي ظنّ العالم أنه تجاوزه. على المستوى الأوروبي، سيؤدي ذلك إلى توتر عميق مع الدنمارك، ويضع الحلفاء أمام اختبار صعب داخل حلف شمال الأطلسي، حيث يصبح السؤال: كيف يمكن لتحالف يقوم على الشراكة أن يستمر إذا فُرضت الوقائع بالقوة أو بالضغط السياسي؟


أما داخلياً في غرينلاند، فإن أي قرار لا يستند بوضوح إلى إرادة سكانها قد يولّد شعوراً بالاغتراب والرفض، ويزرع بذور عدم الاستقرار في مجتمع صغير وحسّاس. فالتنمية والأمن لا يُفرضان من الخارج، بل يُبنيان بثقة السكان وشراكتهم. وعلى المستوى العالمي، سيعزز هذا السيناريو سباق النفوذ في القطب الشمالي، ويدفع قوى أخرى إلى التعامل بالمنطق نفسه، ما يفتح الباب أمام صراعات باردة جديدة، لكن على جغرافيا أكثر هشاشة.


غرينلاند اليوم ليست مجرد جزيرة جليدية، بل اختبار صامت للقيم التي يدّعيها العالم المتقدم: احترام السيادة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحدود الطموح السياسي.

والسؤال الحقيقي ليس: لمن تنتمي غرينلاند؟

بل: هل تعلّم العالم أخيراً أن الأرض لا تُمتلك دون إرادة أهلها؟

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الثورة … والمعمار الذي ننساه

الثورة… والمعمار الذي ننساه د . علاء محمود التميمي كانون الثاني ٢٠٢٦ في لغة العرب تولد الثورة من شرارة الهياج،صرخةٌ من قلبٍ يفيض… لا من عقلٍ يتدبّر. اسمٌ يلتقط العاصفة في أولها،فيجعل من الاندفاع هوية،

 
 
 
الاستراتيجية هي دوما مصدر القوة

🧭 الاستراتيجية هي دوماً مصدر القوة د علاء التميمي تشرين الاول ٢٠٢٥ في العلاقات الدولية، لا تكمن القوة في الحجم الاقتصادي أو العسكري فحسب، بل في القدرة على صياغة استراتيجية متماسكة تحمي المصالح وتضمن

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page