top of page

حين تُلبِس السياسةُ الحربَ ثوبَ الدين

  • قبل 6 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة

د. علاء محمود التميمي

آذار ٢٠٢٦


ليس جديداً أن تبحث الحروب عن روايةٍ تبرّرها أمام الرأي العام. لكن الأخطر أن تُلبس هذه الرواية ثوب الدين، فيتحول الصراع السياسي إلى معركةٍ مقدسة، ويصبح النقاش العقلاني حول المصالح والنتائج أمراً ثانوياً أمام خطاب تعبوي يقوم على الإيمان والانحياز.


في تقرير حديث نشرته شبكة الجزيرة أُثير سؤال لافت: لماذا يلجأ بعض القادة في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استخدام مفردات دينية عند الحديث عن الصراع الجاري في الشرق الأوسط؟ ولماذا تُستدعى تعبيرات مثل “هرمجدون” أو “معركة النهاية” في سياق حربٍ هي في جوهرها صراع نفوذ ومصالح واستراتيجيات؟

(يمكن الاطلاع على التقرير عبر الرابط: https://aje.news/8zl49x)


ومن اللافت في هذا السياق ما نقلته بعض التقارير عن ضابطٍ قال إن قائده أخبر الوحدة بأن دونالد ترامب “ممسوح من قبل يسوع لإشعال النار في إيران تمهيداً لمعركة هرمجدون وعودة المسيح إلى الأرض”. قد يختلف الناس حول دقة هذا النقل أو سياقه، لكن مجرد تداول مثل هذه اللغة يكشف خطورة إدخال السرديات اللاهوتية إلى المجال العسكري والسياسي.


فالحروب في جوهرها ليست صدامات دينية، بل صراعات قوة ومصالح وتوازنات. لكن عندما تُقدَّم للجمهور في إطارٍ ديني، فإنها تتحول من نزاعٍ قابل للحل إلى مواجهةٍ وجودية يصعب فيها الحديث عن التسويات أو الحلول الوسط.


ومن المفارقات اللافتة في واقعنا العربي أن الخطاب الديني لا يُستخدم فقط لتعبئة أنصار الحرب، بل يؤثر أيضاً في طريقة تعاطف الشعوب مع ضحاياها. فالكثير من العرب، على سبيل المثال، لا يتعاطفون مع إيران في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها، ليس بالضرورة بسبب موقف سياسي مدروس، بل لأن إيران تُعرَّف في المخيال الشعبي بوصفها دولة “شيعية”. وهنا يتسلل الانقسام المذهبي ليشوّه الحكم الأخلاقي على الأحداث.


غير أن المعيار الأخلاقي في السياسة الدولية لا ينبغي أن يُبنى على الانتماء المذهبي أو الديني، بل على مبدأٍ أبسط وأوضح: رفض العدوان أياً كان مصدره، ورفض تحويل الصراعات السياسية إلى حروب عقائدية. فحين يصبح المذهب معيار التعاطف، يفقد الإنسان القدرة على رؤية المأساة بعيون إنسانية.


لقد علمنا التاريخ أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح وحده، بل تلك التي تُغذَّى بسرديات مقدسة تجعل التسوية تبدو خيانة، والحرب قدراً لا مفر منه. وعندما تتحول السياسة إلى عقيدة، يصبح السلام هو الضحية الأولى.


وفي عالمٍ مضطرب كعالمنا اليوم، ربما يكون التحدي الأكبر ليس في منع الحروب فقط، بل في منع تحويلها إلى أساطير دينية تُغلق أبواب العقل.


نشرت في مدونة الدكتور علاء التميميً

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين تحرق الجسور …لا تعود الضفة كما كانت

علاء التميمي آذار ٢٠٢٦ أتساءل—بصفتي رجلًا يقرأ السياسة بعين التاريخ—ما الذي تريده إيران يا تُرى من زجّ دول مجلس التعاون الخليجي في حربها مع أمريكا وإسرائيل؟ قد يقول قائل: “إنها لحظة ردعٍ، ولحظة غضبٍ،

 
 
 
من «ضربة قطع الرأس» إلى حرب الاستنزاف

قراءة في مقابلة سكوت ريتر حول الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران د. علاء محمود التميمي فبراير 2026 مقدمة قبل ساعات فقط، كانت الأسئلة تدور حول احتمال الحرب. اليوم، لم يعد السؤال: هل ستقع؟ بل: إلى أين

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page