قيمة المال …. ومعنى السلطة
- Alaa Tamimi

- قبل 6 أيام
- 2 دقيقة قراءة
اثناء متابعتي للمسلسل الإسباني La Casa de Papel، تولّدت لدي فكرة هذا الخاطرة : ليست المشكلة في المال ذاته، بل في المعنى الذي نُسنده إليه، وفي الشرعية التي تمنح هذا المعنى قوته وحدوده.
حين نُمسك ورقة نقدية بين أصابعنا، نظنّ أن قيمتها ساكنةٌ في الورق والحبر والأرقام. لكن الحقيقة أكثر هشاشة—وأكثر عمقًا: قيمة المال ليست في مادته، بل في المعنى الذي نضعه فوقه، وفي الثقة التي تتداولها العقول قبل أن تتداولها الأيدي.
لهذا، لا تبدو بعض الأعمال السنمائية الدرامية مجرّد ترفٍ أو حكاية تشويق، بل تتحوّل—على نحوٍ غير متوقع—إلى مرآة سياسية. في “La Casa de Papel”، ليست العبقرية في عملية السطو ذاتها، بل في الجرأة على تفكيك فكرة المال: ما الذي يجعل المال “مالًا” أصلًا؟ ولماذا يطيع الناس ورقةً صغيرة أكثر مما يطيعون منطقهم أحيانًا؟
الجواب الذي يضعه المسلسل أمامنا، وإن لم يقله بهذه المباشرة، أن الفارق بين سلطة مالية وسلطة عصابة هو الشرعية. الشرعية هنا ليست شعارًا أخلاقيًا، بل “مخزن قيمة”: قيمة المؤسسات، القرارات، الحقوق، وأصوات الناس حين تُسمَع وتُحتَرم. وعندما تُصاب الشرعية بتشققات، يصبح المال نفسه مُهدّدًا، لأن المجتمع لا يتعامل مع العملة بوصفها وسيلة تبادل فقط، بل بوصفها عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب.
في لحظات الأزمات—تضخم، أزمات بنوك، اهتزاز الثقة، صعود العملات الرقمية—نكتشف فجأةً أن “البنك” ليس المكان الذي تُحفظ فيه القيمة، بل المكان الذي تُدار فيه الثقة. فإذا انهارت الثقة، تحوّلت الأرقام إلى ديكور، وصار المال ورقًا لا أكثر، مهما كان مخزون الخزائن. عندها نفهم: الدولة لا تقوم على القوّة وحدها، بل على اتفاقٍ صامت بين الناس ومؤسساتهم—اتفاق اسمه: “نؤمن أن هذا له قيمة… لأننا نؤمن ببعضنا وبقواعد اللعبة”.
من هنا يصبح الصراع الحقيقي ليس بين شرطة وعصابة، بل بين عقل ومؤسسة. المؤسسة تخشى الذكاء حين يعرّي مناطقها الرمادية، ويكشف أن كثيرًا من “الهيبة” مبنيّ على العادة، وأن كثيرًا من “النظام” قائم على قبولٍ اجتماعي قابل للانكسار. لذلك يخاف بعضُ الحكام من الوعي أكثر مما يخاف من السلاح: السلاح يُواجَه بالسلاح، أما الوعي فيُربك المعادلة من أصلها.
وعندما نقرأ هذه الفكرة من زاويتنا العربية، تتضح الطبقة الأعمق: أزمتنا ليست في الحكومات وحدها، بل في منظومة القيم التي تسبق الحكومة وتُنتجها. قيمة الإنسان، قيمة العمل، قيمة الحرية، قيمة الوقت، قيمة الصدق… هذه ليست فضائل شخصية فقط؛ إنها “بنية تحتية” لقيام الدولة. فإذا تآكلت، تآكل معها معنى القانون ومعنى المسؤولية ومعنى المال نفسه. وحين تنهار القيم، لا يبقى للاستقرار إلا القسر—والقسر لا يبني دولة، بل يبني خوفًا مؤقتًا.
ربما نحن على أعتاب لحظة عالمية تُعيد تعريف المال فعلًا؛ لكن الأخطر أننا نعيش لحظة تُعيد تعريف السلطة أيضًا. ومن يعيد تعريف المال يعيد تعريف السلطة—نعم—لكن الأصدق أن من يعيد تعريف القيمة يعيد تعريف الدولة.
الخلاصة ليست شاعرية، بل واقعية:
المال بلا وعي لا قيمة له، والسلطة بلا ناس قادرين يفكروا لا معنى لها.
أما الدولة، فلا تصمد بالقوة وحدها… بل بالمعنى الذي يرضى الناس أن يعيشوا تحته.
نشرت في مدونة
الدكتور علاء محمود التميمي




تعليقات