بعد أربعة أسابيع من الحرب: ما الذي تقوله الوقائع لا الرغبات؟
- 22 مارس
- 4 دقيقة قراءة
حين تندلع الحروب، يسارع كثيرون إلى بناء مواقفهم على ما يحبّون أن يحدث، لا على ما يحدث فعلاً. بعضهم يعلن النصر منذ اليوم الأول، وبعضهم يوزّع الهزيمة باكراً، وكأن الحرب بيان سياسي لا مسار ميداني متقلب. لكن بعد دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى أسبوعها الرابع، لم يعد مفيداً أن نقرأ المشهد بلغة التمنّي. الأجدى أن نقرأه كما هو: حرب اتسعت، وكلفتها ارتفعت، ونتائجها ما زالت مفتوحة. وتشير التقارير إلى أن هذه الحرب بدأت في 28 شباط 2026، ثم أخذت تتوسع تدريجياً من ضربات عسكرية مباشرة إلى أزمة طاقة وممرات ومخاطر إقليمية أوسع.
أول ما تكشفه الوقائع أن الحرب لم تبقَ محصورة في تبادل الضربات الجوية أو الصاروخية بين طرفين معروفين، بل تحولت إلى نزاع متعدد الطبقات: ضربات على الداخل الإيراني، صواريخ على إسرائيل، توتر على جبهة لبنان، وتهديد مباشر للبنية التحتية الحيوية في الخليج. هذا وحده كافٍ لنسف السردية السهلة التي تختزل المشهد في “جولة محدودة” أو “رسالة محسوبة”. ما نراه الآن هو توسع أفقي وعمودي في آن واحد: توسع في الجغرافيا، وتوسع في نوع الأهداف.
الوقائع الميدانية لا تدعم أيضاً فكرة أن إيران انهارت سريعاً، كما لا تدعم فكرة أنها حسمت الحرب لصالحها. فالتقارير الغربية نفسها تتحدث عن استمرار قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعن ضربات وصلت إلى مناطق حساسة في جنوب إسرائيل، منها محيط ديمونا وعراد، مع وقوع إصابات وأضرار ملموسة. وفي المقابل، تتحدث المصادر ذاتها عن خسائر بشرية كبيرة داخل إيران، وعن ضربات أميركية وإسرائيلية متواصلة تستهدف قدراتها العسكرية والنووية والبنى المرتبطة بها. المعنى هنا واضح: القدرة على الإيذاء ما زالت قائمة عند الطرفين، لكن القدرة على الحسم السريع غير ظاهرة حتى الآن.
غير أن التطور الأخطر في الأسبوع الرابع ليس عدد الصواريخ وحده، بل انتقال الحرب إلى مستوى آخر: مستوى الطاقة والممرات. مضيق هرمز لم يعد مجرد خلفية جغرافية للصراع، بل صار في قلبه. خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التهديدات المتبادلة حول إبقاء المضيق مفتوحاً أو إغلاقه بالكامل، مع إنذار أميركي لإيران بفتح الممر خلال 48 ساعة، ورد إيراني بأن أي استهداف جديد لمنشآتها سيقابله إغلاق كامل للمضيق وضرب لبنى الطاقة والمياه في الجوار الخليجي. هنا دخلت الحرب منطقة بالغة الخطورة: منطقة الاقتصاد العالمي، لا الاقتصاد الإقليمي فقط.
ومن يراجع تطورات سوق الغاز المسال يفهم لماذا لم تعد هذه الحرب شأناً عسكرياً فحسب. فالهجمات الأخيرة على منشآت رأس لفان في قطر، وهي من أكبر مراكز الغاز المسال في العالم، تسببت وفق رويترز وفايننشال تايمز في تعطيل نحو 17 في المئة من طاقة قطر التصديرية لمدى قد يمتد بين ثلاث وخمس سنوات، مع لجوء قطر إلى القوة القاهرة في بعض العقود طويلة الأجل. كما أن توقف أو تعثر شحنات الغاز الخارجة من الخليج جعل دولاً آسيوية شديدة الاعتماد على الغاز القطري، مثل باكستان وبنغلادش وتايوان، تدخل طور القلق الحقيقي من نقص الإمدادات، وارتفاع الأسعار، والاضطرار إلى العودة إلى الفحم أو الوقود الأكثر كلفة وتلويثاً.
هنا بالتحديد تظهر نقطة كثيراً ما يغفلها المراقبون المنحازون: ليست المسألة من أطلق صواريخ أكثر، بل من نجح في نقل الحرب من ميدان السلاح إلى ميدان الأعصاب العالمية. حين يصبح نحو خُمس تجارة الطاقة العابرة من المنطقة في مهب التهديد، وحين تتحدث العواصم الصناعية عن تأمين الإمدادات لا عن مجرد متابعة الأخبار، فهذا يعني أن الحرب خرجت من حدودها التقليدية. وقد دفعت هذه المخاطر مجموعة السبع إلى إعلان استعدادها للتحرك لحماية إمدادات الطاقة وأمن الملاحة، وهو إعلان يكشف أن الملف لم يعد يُدار بوصفه اشتباكاً إقليمياً محدوداً.
لكن من الخطأ، في المقابل، أن تُفهم هذه القدرة الإيرانية على التعطيل على أنها نصر استراتيجي مكتمل. نعم، إيران أثبتت أنها قادرة على إرباك خصومها وإيلامهم وإرباك السوق العالمية، لكن هذا النوع من التفوق يختلف عن الحسم. فكلما توسعت دائرة الأذى، توسعت معها دائرة الخصوم والمتضررين. إغلاق هرمز أو تعطيله لا يضغط على واشنطن وتل أبيب ودول الخليج فقط، بل يضغط أيضاً على الصين واليابان وأوروبا وآسيا المستوردة للطاقة. وهذه نقطة جوهرية: من يستخدم الجغرافيا سلاحاً يربح ورقة ضغط كبيرة، لكنه يفتح على نفسه أيضاً ضغوطاً دولية أكبر.
من جهة أخرى، كشفت الحرب حدود البدائل المتاحة أمام دول المنطقة. السعودية مثلاً رفعت صادراتها عبر البحر الأحمر مستفيدة من خط الشرق-الغرب، ووصلت شحناتها من ينبع إلى مستويات مرتفعة هذا الشهر، لكن هذه القدرة لا تعني أن المنطقة كلها قادرة على الالتفاف السهل على هرمز. العراق والكويت والإمارات يبقون أكثر حساسية لهذا الاختناق، حتى مع وجود بعض المسارات البديلة المحدودة. وهذا يعيدنا إلى درس قديم يتكرر في كل أزمة: الثروة وحدها لا تكفي إذا كانت ممراتها قليلة ومكشوفة.
سياسياً، لا تبدو الحرب حتى اليوم حرب أهداف واضحة بقدر ما تبدو حرب تصعيد متبادل. الخطاب الأميركي والإسرائيلي يركز على كسر القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وردع طهران، فيما تركز إيران على إظهار قدرتها على الصمود والرد وتوسيع كلفة الحرب على خصومها ومحيطهم. لكن بعد أربعة أسابيع، لا يوجد ما يشير إلى أن أياً من الطرفين حقق الغاية النهائية التي يفترض أنه دخل الحرب من أجلها. ما تحقق حتى الآن هو توسيع ميدان النار، وإدخال الاقتصاد العالمي في حالة قلق، ورفع الأكلاف الإنسانية والمادية، وتكريس منطق أن كل خطوة جديدة تحمل احتمال الانفلات أكثر مما تحمل فرصة الإغلاق السريع.
لهذا كله، فإن أكثر ما ينبغي الحذر منه اليوم هو القراءة الرغبوية للحرب. من يريد هزيمة إيران سيجد في الضربات عليها ما يؤيد رغبته، ومن يريد هزيمة أميركا وإسرائيل سيجد في أزمة الطاقة وتعثر الملاحة ما يدعم سرديته. لكن المراقب الذي يحترم الوقائع لا يستطيع أن يقول إن الحرب حُسمت، ولا أن يصفها بأنها مجرّد استعراض. نحن أمام حرب دخلت أسبوعها الرابع وهي أكثر اتساعاً، وأكثر كلفة، وأكثر قابلية للخروج عن السيطرة. وهذه، في حد ذاتها، حقيقة ثقيلة ينبغي أن تُقال بوضوح.
أما العراق، الذي خبر الحروب أكثر من غيره، فمصلحته لا تكمن في الانحياز العاطفي لهذه الرواية أو تلك، بل في قراءة باردة لمآلات الصراع: أمن الطاقة، سلامة الممرات، تحييد أراضيه، وحماية اقتصاده من ارتدادات حرب لا يملك قرارها. فالذين دفعوا أثمان الحروب لعقود يعرفون أن البداية كثيراً ما تكون صاخبة، أما النهاية فتُقاس بما يبقى من خراب، لا بما يُقال في نشرات الأخبار.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

تحليل سياسي رائع لحرب تم فرضها وشنها على المنطقة بأهداف متعددة ومتغيرة ،تتوسع دائرتها وتأثيراتها الكارثية على دول المنطقة والعالم خدمة لاهداف المعلن عنها يختلف عن المخفي. آراء الدكتور علاء تنم عن فهم عميق لمشاكل المنطقة واستقراء لمآلات القادم من احداث.. شكرا للتحليل والاراء المطروحة.