top of page

بين الأمنيات والوقائعكيف نقرأ المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟

  • قبل 3 أيام
  • 4 دقيقة قراءة

خاطرة الجمعة


بين الأمنيات والوقائع

كيف نقرأ المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟

د. علاء محمود التميمي

تموز 2026


منذ أن بدأت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في نهاية شباط ومطلع آذار الماضي، لم تقتصر الحرب على الصواريخ والطائرات والممرات البحرية، بل رافقتها حرب أخرى لا تقل ضراوة: حرب الروايات والتوقعات والأمنيات.


في الأيام الأولى، قيل إن الحرب لن تطول. ثم أصبح الحديث عن أربعة أو خمسة أسابيع، مع احتمال أن تمتد إلى ما هو أبعد. وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر، ما زالت المواجهة مستمرة، وإن تبدلت وتيرتها وانتقلت بين التصعيد والتهدئة، وبين الضربات العسكرية والمفاوضات والاتفاقات المؤقتة.


كانت الأهداف الأمريكية المعلنة واسعة :منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير قدراتها الصاروخية والهجومية، وتقليص قوتها البحرية، وضرب بنيتها العسكرية والصناعية، إضافة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وقد عبّرت الإدارة الأمريكية عن بعض هذه الأهداف بشعار شديد الوضوح: لا سلاح نووي، ولا قوة بحرية تهدد الملاحة، وتفكيك البرنامج الصاروخي والقاعدة الصناعية العسكرية.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من أربعة أشهر ليس: من أعلن النصر؟ بل: ما الذي تحقق فعلاً؟


فالإعلان السياسي عن تحقيق الأهداف شيء، وقياس النتائج على الأرض شيء آخر. وحتى منتصف حزيران، كانت تقديرات الاستخبارات الأمريكية تشير إلى أن قدرة إيران النووية لم تتغير تغيراً حاسماً، وأن المدة التي قد تحتاجها لإنتاج سلاح نووي ظلت قريبة من تقديرات ما قبل الحرب.

كما أن إيران، رغم الخسائر العسكرية والاقتصادية والضغط الشديد الذي تعرضت له، لم تستسلم، ولم تتوقف تماماً عن إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو تهديد الملاحة والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وقد عادت الولايات المتحدة في تموز إلى توجيه ضربات جديدة، قالت إن هدفها إضعاف قدرة إيران على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز، بعد انهيار التهدئة المؤقتة واستئناف الهجمات المتبادلة.


ولعل هذه العودة إلى الضربات لا تعني بالضرورة العودة إلى حرب شاملة ومتواصلة بالمفهوم التقليدي. فقد تكون أمامنا مرحلة مختلفة: ضربات متقطعة ومحسوبة، تهدف إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً، من دون الانزلاق إلى احتلال بري أو حرب مفتوحة لا يمكن التحكم بنهايتها.


وهنا يدخل العامل الداخلي الأمريكي في الحساب. فالولايات المتحدة تتجه نحو انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني، والحرب أصبحت عبئاً سياسياً واقتصادياً على الإدارة، ولا سيما مع اضطراب أسواق الطاقة وتراجع التأييد الشعبي لاستمرارها. ومن المشروع، لذلك، التساؤل عما إذا كانت بعض الضربات الأخيرة تحمل، إلى جانب أهدافها العسكرية، وظيفة سياسية وانتخابية: إظهار الحزم، وتجنب صورة التراجع، وإقناع الناخب الأمريكي بأن الإدارة ما زالت ممسكة بزمام المبادرة. وهذا استنتاج سياسي محتمل، لا حقيقة مثبتة، لكنه يستحق أن يوضع ضمن عناصر التحليل.

في المقابل، ما زال بعض المحللين في منطقتنا يتعاملون مع الحرب كأن نهايتها حُسمت، وأن إيران انتهت، وأن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن الاستسلام الكامل أصبح قاب قوسين أو أدنى.


قد يحدث ذلك، فالأنظمة ليست خالدة، والحروب قد تسرّع انهيارها. لكن التحليل المسؤول لا يقوم على كلمة «قد»، بل على الأدلة والمؤشرات.


هل انهارت القيادة الإيرانية؟

هل تفككت مؤسسات الدولة؟

هل فقد الجيش والحرس قدرتهما على القيادة والرد؟

هل خرجت المدن الكبرى عن سيطرة النظام؟

هل حدث انشقاق واسع داخل مؤسسات الحكم؟

هل ظهرت قوة سياسية بديلة قادرة على إدارة الدولة؟


هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق إعلان قرب السقوط. أما استبدال الأدلة بالرغبات، فهو انتقال من التحليل السياسي إلى التمنّي.


وتزداد المشكلة حين يُقرأ الصراع بعين طائفية. فبعض الناس لا ينظر إلى الحرب من زاوية مصالح الدول وتوازنات القوة، بل من زاوية موقفه المذهبي من إيران أو من خصومها. فإذا كره النظام الإيراني، صدّق كل خبر عن انهياره، وإذا عادى الولايات المتحدة، رأى في كل ضربة إيرانية نصراً تاريخياً.

وهكذا تتحول الأخبار إلى أدوات لتأكيد القناعات القديمة، بدلاً من أن تكون القناعات قابلة للمراجعة على ضوء الأخبار الجديدة.

إن رفض سياسات النظام الإيراني وتدخلاته الإقليمية لدى البعض لا يوجب علينا أن نقلل من قدرته على الصمود أو أن نعلن سقوطه قبل أن يسقط. كما أن رفض الحرب الأمريكية لا يعني إنكار الخسائر التي لحقت بإيران، أو تجاهل مسؤولية قيادتها عن سياسات أدخلت شعبها والمنطقة في هذه المواجهة الخطرة.


الموضوعية لا تعني الوقوف على مسافة متساوية أخلاقياً من كل الأطراف، وإنما تعني عدم تزوير الواقع خدمةً للموقف الذي نفضله.


لقد أثبتت تجارب العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها أن التفوق العسكري قادر على تدمير الجيوش والمنشآت وإسقاط الحكومات، لكنه لا يضمن دائماً تحقيق الأهداف السياسية. وقد تبدأ الحرب بضربة تبدو حاسمة، ثم تتحول إلى نزاع طويل يبحث كل طرف فيه عن مخرج يحفظ به صورته أكثر مما يحقق أهدافه الأولى.


ولذلك فإن استمرار المواجهة أكثر من أربعة أشهر لا يثبت انتصار إيران، كما لا يثبت فشل الولايات المتحدة الكامل. لكنه يثبت، على الأقل، أن التوقعات الأولى عن حرب قصيرة وحاسمة لم تكن دقيقة، وأن إيران لم تنهَر بالسرعة التي تحدث عنها بعضهم، وأن القوة العسكرية، مهما عظمت، لا تختصر دائماً الطريق إلى النتيجة السياسية.


نحن اليوم أمام مواجهة لم تبلغ نهايتها بعد. الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار عسكرية واقتصادية هائلة بإيران، وإيران ما زالت قادرة على جعل الحرب مكلفة، وتهديد الملاحة، وضرب المصالح والقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وبين الطرفين تستمر قنوات الوساطة والحديث عن التسويات، حتى في أشد لحظات التصعيد.


وقد تكون النهاية اتفاقاً لا يستطيع أي طرف وصفه بالنصر الكامل، فيعلنه كل منهما انتصاراً لجمهوره. وقد تدخل المواجهة مرحلة أطول من الضربات المحدودة والتفاوض المتقطع. وقد تقع أخطاء في الحسابات تدفع المنطقة إلى تصعيد أكبر.


كل الاحتمالات مفتوحة، ولهذا ينبغي ألا نتعامل مع أحدها كأنه حقيقة نهائية.


في الدين نقول: إنما الأعمال بالنيات. أما في السياسة، فإن الأعمال تُقاس في النهاية بالنتائج.


والنتائج حتى اليوم تقول إن إيران تضررت كثيراً، لكنها لم تنتهِ؛ وإن الولايات المتحدة تفوقت عسكرياً، لكنها لم تحقق بعد جميع أهدافها المعلنة؛ وإن الحرب التي قيل إنها ستستغرق أسابيع تجاوزت أربعة أشهر؛ وإن الشعوب، لا القادة وحدهم، هي التي تدفع الثمن الأكبر.


ليس مطلوباً من المحلل أن يحب إيران أو الولايات المتحدة، ولا أن يقف في منتصف الطريق بينهما. المطلوب أن يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.


فالعاطفة قد تصنع موقفاً، والأمنيات قد تمنحنا عزاءً مؤقتاً، لكنهما لا تصنعان تحليلاً.


أما التاريخ، فلا يدوّن ما تمنيناه، بل ما حدث بالفعل.

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة

كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة د. علاء محمود التميمي تموز ٢٠٢٦ في التاسع عشر من تموز، أُسدِل الستار على كأس العالم ٢٠٢٦، بعد نهائي نيويورك–نيوجيرسي بين إسبانيا والأرجنتين. فازت إسبانيا باس

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page