top of page

خاطرة 14 تموز بين النوايا والنتائج د. علاء محمود التميمي 14 تموز 2026

14 يوليو
2 دقيقة قراءة


تمرّ ذكرى الرابع عشر من تموز كل عام، فيعود الجدل العراقي القديم من جديد. فريقٌ يراه ثورةً حررت العراق من النظام الملكي وفتحت باب الجمهورية، وفريقٌ آخر يراه بداية سلسلة من الانقلابات والاضطرابات التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم.


وربما آن الأوان، بعد ما يقارب سبعة عقود، أن ننظر إلى تلك اللحظة بعين التاريخ لا بعين الانفعال.


في الدين، يُحاسَب الإنسان على نيته، ويقال: “إنما الأعمال بالنيات.” أما في السياسة، فإن الشعوب تعيش النتائج قبل أن تقرأ النوايا. فقد تكون النوايا صادقة، لكن الحكم النهائي يبقى لما آل إليه الواقع.


لقد كان العراق الملكي، كغيره من الدول الحديثة آنذاك، يواجه تحديات حقيقية: تفاوتًا اجتماعيًا، ومطالب بالإصلاح، وتأثيرًا بريطانيًا واضحًا، وصراعًا بين قوى سياسية متعددة. وكان كثير من العراقيين يتطلعون إلى تغيير يحقق عدالة أكبر، وسيادة أوسع، وتنمية أسرع.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا وقع التغيير؟ بل: ماذا كانت حصيلته؟


بعد عام 1958 شهد العراق إنجازات لا يمكن إنكارها في بعض المراحل؛ توسعت مؤسسات الدولة، وازدادت فرص التعليم، ونُفذت مشاريع تنموية مهمة، وبرزت طموحات وطنية كبيرة.


وفي المقابل، شهد أيضاً سلسلة طويلة من الانقلابات، والعنف السياسي، والإعدامات، والحروب، والحصار، والاحتلال، والانقسامات، وهجرة ملايين العراقيين، واستنزاف ثروات هائلة كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً.


ولذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل التاريخ في شخص، ولا في يوم واحد، ولا في شعار واحد.


فلا الملكية كانت جنةً كاملة، ولا الجمهورية كانت فشلاً مطلقاً. كما أن عبد الكريم قاسم، شأنه شأن غيره من قادة العراق، له ما يُحسب له وله ما يُؤخذ عليه. والتاريخ لا يكتبه المحبون وحدهم، ولا الخصوم وحدهم، بل تكتبه الوقائع.


ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يصل إلى الأجيال الجديدة هو أن تغيير النظام ليس غايةً بحد ذاته. فالأهم من إسقاط نظام هو القدرة على بناء نظام أفضل منه. والتاريخ يعلمنا أن هدم المؤسسات أسهل كثيراً من بنائها، وأن الاستقرار والتنمية يحتاجان إلى دولة قوية، ودستور محترم، وقضاء مستقل، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع يؤمن بالاختلاف.


إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تنتصر لرواية الماضي، بل تلك التي تتعلم منه.


ولهذا، فإن ذكرى الرابع عشر من تموز ينبغي ألا تكون مناسبة لتجديد الخصومات بين العراقيين، بل فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية:


كيف نبني عراقاً لا يحتاج أبناؤه، بعد سبعين عاماً أخرى، إلى أن يختلفوا من جديد حول الماضي، لأنهم سيكونون منشغلين ببناء المستقبل؟


ذلك، في تقديري، هو الدرس الذي يستحق أن يبقى.

يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا ذكرى الرابع

عشر من تموز: أن نجاح أي مشروع سياسي لا يُقاس بلحظة انتصاره، وإنما بما يتركه للأجيال التي تأتي بعده.


فالتاريخ قد يختلف في تفسير البدايات، لكنه يكاد يتفق دائمًا على الحكم من خلال النتائج.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الجمال الذي لا نراه إلا متأخرين

خاطرة الجمعة الجمال الذي لا نراه إلا متأخرين د.علاء التميمي ايلول ٢٠٢٦ كثيرًا ما نمرّ بالجمال من دون أن نراه. نعيش في بيتٍ سنوات طويلة، فلا ننتبه إلى دفء غرفه إلا بعد أن نغادره. نعبر شارعًا كل يوم، فل

 
 
 
الثراء والارتقاء

خاطرة الجمعة الثراء والارتقاء د. علاء محمود التميمي 
آب ٢٠٢٦ ثمّة لحظات تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تكشفها سنوات طويلة من الكلام. فحين ينتقل المرء من ضيق الحال إلى سعتها، ومن الحاجة إلى الوفرة، يظهر م

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page