top of page

بين الاكتفاء والاختيار

  • قبل 4 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة

خاطرة الجمعة

بين الاكتفاء والاختيار

د. علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦


كلما تقدّم الإنسان في العمر، تبدّلت احتياجاته، وتغيّرت نظرته إلى من حوله.

في البدايات، يظنّ أن ثروته تُقاس بعدد من يعرف، وأن حضوره في الحياة يتناسب طردًا مع اتساع دائرته الاجتماعية. لكنه مع مرور العقود يكتشف أن أثمن ما يملكه ليس المال ولا الجاه، بل الوقت. والوقت، في جوهره، هو العمر ذاته. وكل ساعة يمنحها لشيء، إنما يقتطعها من شيء آخر.

لهذا تبدأ الأولويات بالتحوّل.

لم يعد الإنسان يشعر بأنه ملزم بحضور كل مناسبة، أو قبول كل دعوة، أو الحرص على كل علاقة. ليس لأنه أصبح أقلّ محبةً للناس، بل لأنه أصبح أشدّ إدراكًا لقيمة وقته، وأكثر حرصًا على سلامه الداخلي.


وفي الغربة، يتضاعف هذا الإحساس ويتكثّف.

في الوطن، كثيرًا ما تسبق الثقةُ العلاقةَ؛ تعرف العائلات، وتعرف التاريخ، وتعرف البيئة التي نبت فيها الإنسان. أما في الغربة، فكل علاقة تبدأ من الصفر، وتحتاج إلى وقت لتختبر صدقها، وإلى مواقف لتعرف معدنها. لذلك يصبح الاختيار أكثر تروّيًا، وأكبر أهمية.

ومع السنين ندرك أن العلاقات، كغيرها من الاستثمارات الحقيقية في الحياة، لا تُقاس بالكثرة بل بالقيمة. قد تعرف مئات الأشخاص ولا تجد بينهم من تلجأ إليه في شدّة. وقد يكفيك صديق واحد يُغنيك عن الجميع.


لهذا لم أعد أرى الاعتذار عن بعض المناسبات تقصيرًا، ولا قلّة الظهور عزلةً، ولا ضيق دائرة العلاقات نقصًا. أراها، بدلًا من ذلك، شكلًا من أشكال النضج. فالإنسان لا يستطيع أن يمنح وقته للجميع، ولا أن يفتح قلبه لكل من يطرق بابه. إنه يختار. ويتعلم أن يقول نعم حين يريد، ولا حين يجب.

والفرق بين العزلة والاكتفاء فرق جوهري:

العزلة أن تبتعد عن الناس لأنك تخافهم. أما الاكتفاء فهو أن تحبّ الناس، لكنك لا تأذن إلا لمن يضيف إلى حياتك قيمة حقيقية أن يكون جزءًا من تفاصيلها.


في النهاية، لا تُقاس حياة الإنسان بعدد الأسماء في هاتفه، ولا بعدد المناسبات التي حضرها، ولا بعدد الصور التي التقطها مع الآخرين.

تُقاس بعدد الساعات التي عاشها بطمأنينة، وبعدد الأشخاص الذين يشعر بينهم أنه ليس مضطرًا إلى تمثيل دور لا يشبهه.

قد يكفيك صديق صادق. وقد تكفيك أسرة صغيرة. وقد تكفيك جلسة هادئة مع كتاب.

فالثراء الحقيقي ليس أن تتسع دائرتك…

بل أن تضيق حتى لا يبقى فيها إلا من يستحق.


نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم

عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم د.علاء محمود التميمي تموز ٢٠٢٦ في خضم الأخبار السياسية التي تملأ الشاشات كل يوم، تمر أحياناً أحداث صغيرة تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها أسئلة أكبر من الحدث نفسه.

 
 
 
عندما تخلع الكرة قميصها

عندما تخلع الكرة قميصها د. علاء محمود التميمي تموز ٢٠٢٦ كانت البداية واعدة. كرة قدم جميلة، مدرب محبوب، جماهير تتعاطف. ثم فجأة، تحول المنتخب إلى سفارة متنقلة. تدخل عنيف، طرد مستحق من الحكم ، ثم تدخل ال

 
 
 
هل يبقى الملعب آخر مكان يتساوى فيه الجميع؟

هل يبقى الملعب آخر مكان يتساوى فيه الجميع؟ د.علاء محمود التميمي حزيران ٢٠٢٦ أنا مجرد مشجع لكرة القدم. لا أشغل منصباً، ولا أمثل دولة، ولا أملك نفوذاً يغيّر قراراً أو يبدّل نتيجة. مثل مليارات البشر، أجل

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page