
عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم
- قبل 20 ساعة
- 2 دقيقة قراءة
عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم
د.علاء محمود التميمي
تموز ٢٠٢٦
في خضم الأخبار السياسية التي تملأ الشاشات كل يوم، تمر أحياناً أحداث صغيرة تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها أسئلة أكبر من الحدث نفسه.
من بين تلك الأحداث ما شهدته قمة حلف الناتو هذا الأسبوع، حين قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقادة الدول المشاركة مسدسات تحمل أسماءهم، في إشارة إلى تطور الصناعة الدفاعية التركية. وبعد المؤتمر، سُئل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن الهدية، فأجاب بهدوء أن الهدية التي حملها من كندا كانت شراب القيقب، أحد أشهر رموز الهوية الكندية، وأن المسدس سيتعامل معه وفق القانون الكندي.
ربما رأى بعضهم في ذلك مجرد خبر بروتوكولي، لكنني وجدته يدفع إلى سؤال يستحق التأمل:
كيف تختار الأمم أن تعرّف نفسها أمام العالم؟
فالهدايا الدبلوماسية ليست مجرد أشياء تنتقل من يد إلى أخرى، بل هي رسائل صامتة. إنها تقول للآخرين: هذا ما نفخر به، وهذا ما نريد أن يبقى في ذاكرتكم عنا.
وبينما كنت أفكر في هذه الحادثة، قفز إلى ذهني مشهد يعود إلى أكثر من اثني عشر قرناً.
حين أهدى الخليفة هارون الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان ساعة مائية ميكانيكية، لم يكن يرسل تحفة نادرة فحسب، بل كان يبعث برسالة حضارية. كانت بغداد يومها تتحدث إلى العالم بلغة العلم والهندسة والإبداع، وكانت تلك الساعة تعلن أن الحضارة الإسلامية لم تكن تستهلك المعرفة، بل كانت تنتجها وتبتكرها.
ولذلك أعترف أنني، كعراقي الأصل، أشعر دائماً بشيء من الاعتزاز كلما تذكرت تلك الهدية. فهي لا تمثل إنجاز رجل واحد، بل تعكس صورة بغداد في زمن كانت فيه عاصمةً للعلم، ومقصداً للعلماء، ومركزاً للابتكار.
وفي الوقت نفسه، أشعر بالفخر أيضاً كمواطن كندي بالطريقة التي تعامل بها رئيس الوزراء الكندي مع الموقف. فقد احترم الدولة التي قدمت الهدية، وفي الوقت نفسه احترم قوانين بلده وقيمها، من دون ضجيج، ومن دون إساءة، ومن دون أن يحوّل الاختلاف إلى خصومة.
وهنا أدركت أن القضية ليست في نوع الهدية، بل في الرسالة التي تحملها.
فلكل أمة الحق أن تفخر بما أنجزته، سواء كان إنجازاً في الصناعة، أو الدفاع، أو الزراعة، أو الطب، أو الثقافة، أو الفنون. لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من قوة، بل بما تضيفه إلى الحضارة الإنسانية.
إن السلاح قد يحمي الحدود، لكنه لا يبني وحده مكانة الأمة في ذاكرة العالم. أما الأفكار، والعلوم، والآداب، والفنون، والاختراعات، فهي تعبر الحدود من دون جواز سفر، وتبقى حية حتى بعد أن تصمت المدافع.
وربما لهذا السبب لا تزال ساعة هارون الرشيد تُذكر بعد أكثر من ألف ومئتي عام، ليس لأنها كانت ساعة، بل لأنها كانت رمزاً لمرحلة آمنت بأن أعظم ما يمكن أن تهديه أمة إلى العالم هو المعرفة.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل دولة وربما كل شخص على نفسه:
إذا أردتُ أن أترك هدية للتاريخ… فبأي شيء أريد أن أتذكر؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

تعليقات