الإنتلجنسيا العراقية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين
- Alaa Tamimi

- 24 ديسمبر 2025
- 3 دقيقة قراءة
يمثّل كتاب إنتلجنسيا العراق: نخب المثقفين في القرن العشرين للدكتور سيّار الجميل واحدًا من أهم الأعمال التي تناولت تاريخ النخبة المثقفة العراقية بوصفها ظاهرة اجتماعية–تاريخية، لا مجرد سير أفراد أو اتجاهات فكرية متفرقة. فقد قدّم الكتاب، بجهد توثيقي وتحليلي واضح، تشخيصًا عميقًا لمسار الإنتلجنسيا العراقية في القرن العشرين، كاشفًا عن علاقتها الملتبسة بالسلطة، وحدود فاعليتها، وأسباب تعثرها في التحول إلى قوة اجتماعية مستقلة.
ولا تأتي أهمية هذا العمل من موضوعه فحسب، بل من موقع مؤلفه أيضًا. فالدكتور سيّار الجميل ليس مجرد مؤرخ محترف، بل مثقف نقدي أسهم، عبر عقود من البحث والكتابة، في إعادة قراءة التاريخ العراقي والعربي خارج السرديات الجاهزة والتبريرات الأيديولوجية. ومن موقع الصداقة والاحترام العلمي، فإن الإشارة إلى هذا الكتاب هنا هي إشادة بعمل معرفي جاد، وبشخصية فكرية حافظت على استقلالها النقدي في ظروف لم تكن سهلة على العقل الحر.
ينطلق هذا المقال من منجز د. سيّار، لا لمراجعته أو مجادلته، بل للبناء عليه زمنيًا وفكريًا. فإذا كان الكتاب قد انشغل بتشخيص إنتلجنسيا القرن العشرين، فإن التحولات العميقة التي شهدها العراق منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تفتح سؤالًا مكمّلًا: ما شروط تشكّل إنتلجنسيا عراقية جديدة في الربع الأول من هذا القرن؟ وكيف يمكن إعادة تعريف دور النخبة المعرفية في سياق تغيّرت فيه الدولة، والسلطة، والمعرفة، والمجتمع؟
في القرن العشرين، تشكّلت الإنتلجنسيا العراقية بوصفها نخبة مدينية متعلمة، غالبًا ما عرّفت نفسها من خلال موقعها داخل الدولة أو الحزب أو المؤسسة الثقافية. وكان المثقف يُقاس بمكانته الوظيفية أو الأيديولوجية أكثر مما يُقاس بدوره الاجتماعي.
أما في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد تآكل هذا النموذج. لم تعد الدولة مركزًا وحيدًا للشرعية، ولم تعد المؤسسة الثقافية المصدر الحصري للمعرفة، ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا. في هذا السياق، لا تعود الإنتلجنسيا طبقة مغلقة، بل وظيفة معرفية وأخلاقية تؤدى داخل فضاء اجتماعي مفتوح.
أولى شروط تشكّل الإنتلجنسيا في السياق الراهن هو الاستقلال عن السلطة، لا بوصفه موقفًا احتجاجيًا دائمًا، بل بوصفه شرطًا بنيويًا لإنتاج معرفة نقدية. فبعد تعدد مراكز النفوذ السياسي والطائفي والاقتصادي، لم يعد الخطر محصورًا في القمع المباشر، بل في أشكال الاحتواء الناعمة، والتبرير الثقافي، والتطبيع مع الخطاب السائد.
الإنتلجنسيا الجديدة تُقاس بقدرتها على الحفاظ على مسافة نقدية ثابتة من جميع أشكال السلطة، وعلى مقاومة تحويل المعرفة إلى أداة شرعنة.
إذا كانت إنتلجنسيا القرن العشرين قد عاشت في كثير من الأحيان داخل دائرة نخبوية مغلقة، فإن شروط الحاضر تفرض العمل داخل المجتمع لا فوقه. فالمعرفة اليوم لا تؤدي دورها إلا إذا تفاعلت مع التعليم، والإعلام الجديد، والمبادرات المدنية، واللغة اليومية للناس.
المثقف في القرن الحادي والعشرين لا يُعرَّف بعلو لغته، بل بقدرته على تبسيط المعقّد دون تسطيحه، وعلى تحويل الأفكار إلى وعي اجتماعي قابل للتداول.
أظهرت التجربة العراقية في القرن العشرين، كما بيّنها سيّار الجميل، أن الأيديولوجيات الكبرى – رغم طموحها التغييري – أسهمت في انقسام النخب وعزلها عن المجتمع. لذلك، فإن الإنتلجنسيا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين تتأسس على منظومة قيم لا على انتماءات أيديولوجية مغلقة: المواطنة، العدالة، الكرامة الإنسانية، العقلانية، ونبذ العنف الرمزي.
القيم هنا لا تلغي الاختلاف، لكنها تمنحه إطارًا أخلاقيًا مشتركًا يسمح بالتعايش والعمل التراكمي.
التعدد والتخصص شرط معرفي فلم يعد ممكنًا حصر الإنتلجنسيا في الأدباء أو الأكاديميين في العلوم الإنسانية. فتعقيد الواقع العراقي يفرض انفتاح النخبة المعرفية على اختصاصات متعددة: العلم، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والطب، والبيئة، إضافة إلى حضور فاعل للنساء، والأطراف، والأجيال الشابة.
هذا التعدد ليس مطلبًا تمثيليًا، بل ضرورة لفهم مجتمع متشظٍ ومتعدد الخبرات والهويات.
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد المشكلة في نقص المعرفة، بل في فائضها، وفي تداخلها مع التضليل والدعاية والخرافة. وهنا تتحدد الوظيفة الجديدة للإنتلجنسيا: تنظيم الوعي، وتمييز المعرفة النقدية من الخطاب التعبوي، وحماية العقل العام من الانهيار تحت ضغط الاستقطاب والعنف الرمزي.
بهذا المعنى، فإن الإنتلجنسيا العراقية في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لا تمثّل استمرارًا تلقائيًا لنخب القرن العشرين، ولا قطيعة جذرية معها، بل تحوّلًا في الوظيفة والمنهج. فبينما تشكّلت إنتلجنسيا القرن العشرين داخل أفق الدولة والأيديولوجيا، تتشكّل إنتلجنسيا الحاضر داخل أفق المجتمع والمعرفة العامة، حيث يصبح إنتاج المعنى أهم من امتلاك المنبر، ويغدو الفعل التراكمي أكثر أثرًا من الخطاب العالي.
إنها إنتلجنسيا لا تدّعي القيادة، ولا تنتظر لحظة خلاص، لكنها تعمل بصبر داخل الزمن الطويل، حيث يُعاد بناء الوعي خطوة خطوة.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
كانون الثاني ٢٠٢٥


تعليقات