
قناة بنما ساعة واحدة بين محيطين
- Alaa Tamimi

- 23 يناير
- 2 دقيقة قراءة
الجزء الأول: الطريق الذي يختصر العالم
د. علاء محمود التميمي
كانون الأول 2025
وصلنا مدينة كولون على إيقاع البحر الكاريبي، حيث كانت سفينة الكروز ما تزال تستريح بهدوء على رصيف الميناء. كان الصباح يتشكّل بلا استعجال، وكأن المدينة تمنح زائرها فرصة لالتقاط أنفاسه قبل أن يبدأ الدرس الكبير.
بعد فطورٍ سريع، نزلنا من السفينة. إجراءات الجوازات كانت سلسة على نحو لافت، والحقائب خرجت بلا انتظار طويل. استأجرنا سيارة أجرة، واتفقنا مع السائق على محطةٍ ليست عادية: التوقف عند مدخل قناة بنما، لرؤية السفن وهي تعبر التاريخ لا الماء فقط.
على الطريق، بدا المشهد كأنه محاضرة حيّة في الجغرافيا السياسية والهندسة معًا. غابات استوائية كثيفة تبتلع الأفق، طرق سريعة تشقّ الخضرة بثقة، ولوحات إرشادية تشير إلى منشآت صنعت اسم هذا البلد ومكانته. كل شيء هنا يوحي بأن الطبيعة لم تُلغَ، بل أُديرت بعقل.
توقفنا قرب قناة بنما. هناك، تتحرك السفن ببطءٍ محسوب، تُقاد بالماء والبوابات كما تُقاد الأفكار الكبرى بالعقل والتنظيم. دخولٌ وخروجٌ متزامن، وانضباط صارم، وصمتٌ مهيب لا يقطعه سوى هديرٍ خافت. التقطنا الصور، لكن بعض المشاهد لا تُختصر بعدسة؛ تُحفظ في الذاكرة فقط.
ثم واصلنا السير. بعد دقائق، ظهر جسر “أتلانتيك” شامخًا فوق الممر المائي، كقوسٍ حديث يربط ضفتين وقصتين وزمنين. العبور فوقه ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل إحساس بأنك تعبر طبقاتٍ من التاريخ: من الأطلسي الكاريبي إلى الهادئ الواسع، ومن زمن المغامرة والخطر إلى زمن الإدارة الذكية.
لم تمضِ ساعة حتى بدأت بنما سيتي تلوح في الأفق. أبراج زجاجية تعكس الشمس، وخط ساحلي يعلن وصولك إلى المحيط الهادئ. هنا، تختصر بنما مسافةً كانت — في أماكن أخرى — تحتاج لأكثر من خمس ساعات طيران. ساعة واحدة فقط فصلتنا بين محيطين، لا بفضل الطائرة، بل بفضل فكرة هندسية جريئة، ورؤية حوّلت الجغرافيا من عائق إلى فرصة.
كانت الرحلة قصيرة في الزمن، لكنها عميقة في المعنى. طريقٌ يعلّمك أن المدن العظيمة لا تُقاس بالمسافة، بل بالقدرة على وصل ما يبدو بعيدًا… بهدوء، ودقة، واحترامٍ للطبيعة والتاريخ.

تعليقات