
قناة بنما عبور بطيء ….رهندسة محكمة
- Alaa Tamimi

- 16 يناير
- 2 دقيقة قراءة
الجزء الثاني: حين يقود الماء السفن
د. علاء محمود التميمي
بعد أن مررنا على مدخل قناة بنما في الجزء السابق، بدا من الطبيعي أن يلحّ السؤال:
كيف يتم هذا العبور فعلًا؟ وكيف تتحول هذه الكتلة المائية إلى آلة هندسية تعمل بلا ضجيج؟
تمتد قناة بنما كمسار مائي ذكي يربط المحيط الأطلسي عند مدينة كولون بالمحيط الهادئ عند بنما سيتي، بطول يقارب 82 كيلومترًا. زمن العبور الكامل للسفن يتراوح بين 8 و10 ساعات، لكن القناة ليست خندقًا مستقيمًا من بحر إلى بحر، بل منظومة مائية مركّبة تعتمد على البحيرات والارتفاع التدريجي.
عند مدخل القناة يبدأ المشهد الأهم: العبور الفعلي داخل المجرى. نحن داخل قناة بنما، وأمامنا سفينة تتحرك بسرعة بطيئة جدًا، تكاد لا تُلاحظ. هذا البطء ليس ضعفًا، بل دقة. فالقناة ليست ممرًا مفتوحًا، بل نظام هندسي بالغ الانضباط.
منذ لحظة الدخول، يصعد مرشد القناة إلى السفينة، ويتولى توجيهها. القبطان هنا لا يفقد دوره، لكنه يصبح جزءًا من منظومة تنفيذ أكبر، حيث القرار جماعي والهندسة هي القائد الفعلي.
الحوض: قلب العملية الهندسية
تدخل السفينة إلى أحد أحواض الأهوسة، وهو فراغ هندسي هائل صُمم لاحتضان سفن عملاقة بدقة مذهلة. الأبعاد القياسية للحوض الواحد في الأهوسة التقليدية تقارب:الطول: 305 أمتار العرض: 33.5 مترًا وعمق الماء: 12.8 مترًا لهذا تبدو السفينة وكأنها تلامس الجدران. أحيانًا لا يتجاوز الفراغ الجانبي عشرات السنتيمترات. هذا القرب الشديد هو أحد أسباب الحركة البطيئة والانضباط الصارم.
لماذا الرفع على مراحل؟
لأن الفرق في الارتفاع بين مستوى المحيط ومستوى بحيرة القناة في الوسط يصل إلى نحو 26 مترًا، ولا يمكن رفع سفينة عملاقة دفعة واحدة بأمان.
بعد إغلاق الأبواب الفولاذية خلف السفينة، يبدأ رفع منسوب الماء داخل الحوض. لا مضخات ضخمة، بل اعتماد شبه كامل على الجاذبية وتدفق الماء من مستويات أعلى.
كل حوض يرفع السفينة نحو 8–9 أمتار وتمر السفينة بثلاثة أحواض متتالية حيث الارتفاع الكلي يقارب 26 مترًا وكأن السفينة تصعد سلّمًا مائيًا، درجة بعد درجة.
خلال هذا العبور، تفقد السفينة شيئًا من هيبتها الصاخبة في البحار المفتوحة. لا اندفاع، لا سرعة، بل خضوع كامل لنظام صُمم قبل أكثر من قرن، وما زال يعمل بالكفاءة نفسها. سفينة بطول مدينة صغيرة، تُرفع وتُخفض بالماء فقط، وتمر بين قارتين بلا ضجيج.
قبل القناة… وبعدها
قبل افتتاح قناة بنما عام 1914، لم يكن هناك ممر قصير أو آمن بين المحيطين. كانت السفن تضطر للالتفاف حول رأس هورن في أقصى جنوب أميركا الجنوبية، مضيفة ما بين 13,000 و15,000 كيلومتر إلى رحلتها، مع أسابيع أو أشهر إضافية في البحر، وعواصف عاتية، وأمواج شاهقة، وغرق آلاف السفن عبر القرون.
كان البحّارة يقولون:من يعبر رأس هورن إما يعود أسطورة… أو لا يعود أبدًا.
بعد حفر القناة، تغيّر كل شيء. لم يعد العبور مغامرة وجودية، بل قرارًا هندسيًا. لم تعد الطبيعة خصمًا، بل عنصرًا مُدارًا بذكاء. وهنا تكمن عظمة ما رأيناه اليوم:
انتصارٌ هادئ للعقل على المسافة،
وللهندسة على العشوائية، والبطء المحسوب على السرعة العمياء.
اخيرا أعظم الإنجازات ليست دائمًا الأسرع…
بل الأهدأ، والأدق،
والأبقى في الذاكرة.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي


تعليقات