top of page

من دفتر الرحلة

16 يناير
2 دقيقة قراءة

من دفتر الرحلة…

د . علاء التميمي

كانون الثاني ٢٠٢٦


أبدأ في هذه الرحلة سلسلة من المقالات أدوّن فيها ما يمرّ بي من مواقف تبدو عابرة، لكنها غالبًا تحمل في طيّاتها ما يستحق التوقف عنده.


في الرحلات الطويلة العابرة للمحيطات، والتي تمتد لساعات عديدة، اعتدت غالبًا السفر على درجة رجال الأعمال. ليس بدافع الرفاه، بل لأن طبيعة العمل تفرض الوصول بحالة ذهنية وجسدية متوازنة.


ومع التقدم في العمر، تتغيّر علاقتنا بالسفر الطويل. لم تعد المسألة مقعدًا أوسع أو خدمة أفضل، بل قدرة الجسد على تحمّل الجلوس الطويل، وضيق المساحات، واضطراب النوم. في هذه المرحلة، تصبح درجة رجال الأعمال أحيانًا ضرورة يفرضها العمر أكثر مما هي خيار.


هذه الرحلة لم تكن مخطّطًا لها مسبقًا، ومع قرب موعد السفر كانت أسعار درجة رجال الأعمال مرتفعة بشكل غير منطقي. لذلك قررت السفر على الدرجة السياحية، مع محاولة طلب الترقية في المطار، كما أفعل عادة في مثل هذه الحالات.


بحكم كثرة السفر، أدرك أن طريقة الطلب لا تقل أهمية عن الطلب نفسه. الأسلوب، النبرة، اختيار الكلمات، وحتى الإحساس الذي تنقله للطرف الآخر… جميعها عناصر تصنع فرقًا حقيقيًا.


عندما حان دوري عند كاونتر إصدار بطاقة الصعود، وجدت نفسي أمام سيدة سمراء. سألتها بهدوء وأدب إن كان هناك مقعد شاغر في درجة رجال الأعمال، وما هو سعر الترقية. أجابتني بأن هناك مقعدًا متوفرًا، وأن السعر المطلوب هو 1900 دولار، وذلك فقط حتى وجهتي الأولى، أما الرحلة النهائية فعليّ طلب الترقية لها بعد الوصول.


قبل أن أعلّق، بادرتني بالقول إن السعر مرتفع فعلًا. عندها، وبدل الإصرار أو المجادلة، طلبت منها إن كان بالإمكان تغيير مقعدي إلى مكان متقدّم في الطائرة بسعة أكبر. بعد بحث قصير، قامت بتغيير مقعدي من الرقم 25 إلى الرقم 14 دون أي فرق في السعر. شكرتها بصدق، ومضيت.


عند بوابة الصعود إلى الطائرة، كانت السيدة نفسها تدقّق بطاقات الصعود. تذكّرتني، وبعد مراجعة الجواز، همست قائلة:

«ستجد مفاجأة في الطائرة.»


لم أفهم ما قصدته حينها.


وعند دخولي إلى الطائرة، قادتني إحدى مضيفات الطيران مباشرة إلى مقعد في درجة رجال الأعمال.


هل كان ذلك اختيارًا تلقائيًا من النظام؟

أم قرارًا إنسانيًا؟

أم نتيجة أسلوب تعامل بسيط؟


لا أعلم.


لكن ما أعلمه أن كثيرًا مما نُسميه حظًا، هو في الحقيقة أثرٌ تراكمي لطريقة تعاملنا مع الآخرين… خاصة حين لا نكون في موقع قوة، ولا نملك سوى الأدب والهدوء.


في السفر، كما في الحياة، لا نصل دائمًا بما نطلب… بل بما نستحقه بأسلوبنا.

—— يتبع…

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
مجتمعات تخاف من ان تستيقظ !

مجتمعات تخاف من ان تستيقظ ! د علاء التميمي تشرين الاول ٢٠٢٦ في زاوية من زوايا الحياة اليومية، دار حوار خاطف بين صديقين، لكنه اختزل في ثناياه مأساة إنسانية تتكرر على مر العصور. سأل الأول: "لماذا لا يصي

 
 
 
من حق الإنسان ان يتغير

من حقّ الإنسان أن يتغيّر الحلقة الثانية: العمر والتجربة د.علاء التميمي ٢ تشرين الاول ٢٠٢٦ هناك سؤال لا يسأله الإنسان عن نفسه إلا في لحظة مفاجئة: هل أنا اليوم مثل من كنت قبل عشر سنوات؟ والجواب الذي نتو

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page