
القدرة والإرادة: لماذا لا ينتصر الأقوى دائماً؟
- قبل يوم واحد
- 3 دقيقة قراءة
بقلم: د. علاء محمود التميمي
حزيران ٢٠٢٦
في العاشر من أيار 2026 نشرت مجلة The Atlantic الأمريكية مقالاً للمفكر والمؤرخ الأمريكي روبرت كاغان بعنوان “Checkmate in Iran” (كش ملك في إيران)، أثار فيه تساؤلات مهمة حول طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وحول ما إذا كانت القوة العسكرية وحدها كافية لتحقيق الأهداف السياسية.
ورغم أن المقال تناول الحالة الإيرانية بصورة خاصة، فإن أهميته الحقيقية لا تكمن في موقفه من إيران أو الولايات المتحدة، بل في السؤال الأعمق الذي يطرحه بصورة غير مباشرة:
هل ينتصر الأقوى دائماً؟
فعندما نتابع الحروب والصراعات الدولية، نميل إلى الاعتقاد بأن الطرف الذي يمتلك أكبر عدد من الطائرات والصواريخ وحاملات الطائرات هو الطرف الأقرب إلى النصر. لكن التاريخ الحديث يقدم لنا صورة أكثر تعقيداً.
فالولايات المتحدة كانت أقوى من فيتنام الشمالية، ومع ذلك لم تحقق أهدافها السياسية هناك.
وكان الاتحاد السوفيتي أقوى من المقاتلين الأفغان الذين واجههم في الثمانينيات، لكنه اضطر إلى الانسحاب.
وبعد ذلك بسنوات وجدت الولايات المتحدة نفسها تغادر أفغانستان بعد حرب استمرت عشرين عاماً، لتعود حركة طالبان إلى السلطة.
فكيف يحدث ذلك؟
كيف يمكن لطرف أضعف عسكرياً أن يصمد في مواجهة قوة عظمى؟
الجواب يكمن في فهم الفرق بين مفهومين غالباً ما يتم الخلط بينهما: القدرة والإرادة.
القوة ليست شيئاً واحداً
عندما نتحدث عن القوة، فإننا نفكر عادة في حجم الاقتصاد وعدد الجنود والطائرات والصواريخ والتكنولوجيا العسكرية.
هذه هي القدرة.
لكن هناك نوعاً آخر من القوة أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً، وهو الإرادة.
الإرادة هي مقدار ما يكون الطرف مستعداً لتحمله من خسائر وآلام وتضحيات من أجل تحقيق هدفه.
فالقدرة تحدد ما تستطيع فعله، أما الإرادة فتحدد ما أنت مستعد لدفعه من ثمن.
وهنا يبدأ الفرق بين الحسابات العسكرية والحسابات السياسية.
ما الذي قصده كاغان؟
يرى روبرت كاغان أن المشكلة الأساسية في التعامل الأمريكي مع إيران لا تكمن في نقص القوة العسكرية، بل في محدودية الاستعداد السياسي لاستخدام تلك القوة على نطاق واسع ولمدة طويلة.
فإيران، بحسب تحليله، أدركت أن الولايات المتحدة تتردد في الانخراط في حرب إقليمية شاملة، وأن كلفة مثل هذه الحرب قد تكون أعلى من استعداد واشنطن لتحملها.
وسواء اتفقنا مع هذا الاستنتاج أو اختلفنا معه، فإنه يعيدنا إلى سؤال أكثر عمومية:
هل تتحدد نتائج الصراعات بحجم القوة فقط، أم بمدى استعداد الأطراف لاستخدامها وتحمل نتائجها؟
معادلة الصراع الحقيقية
يمكن تلخيص كثير من الصراعات الحديثة بمعادلة بسيطة:
القدرة تمنحك إمكانية القتال.
الإرادة تمنحك القدرة على الاستمرار.
والزمن يكشف أي الطرفين أكثر استعداداً لتحمل الكلفة.
ولهذا فإن نتائج الحروب لا تتحدد دائماً بما تملكه الأطراف من أسلحة، بل بما تملكه من صبر واستعداد لتحمل الأعباء السياسية والاقتصادية والبشرية.
فقد يمتلك طرف ما قدرة عسكرية هائلة، لكنه لا يكون مستعداً لخوض حرب طويلة ومكلفة.
بينما يمتلك الطرف الآخر إمكانات محدودة، لكنه مستعد للاستمرار سنوات طويلة لأنه يعتبر الصراع قضية وجودية.
وهنا تتحول الإرادة إلى عنصر حاسم في تحديد النتائج.
ولدينا دروس من التاريخ فالحروب الكبرى مليئة بهذه الأمثلة.
في فيتنام لم تستطع القوة العسكرية الأمريكية ترجمة تفوقها إلى نصر سياسي.
وفي أفغانستان لم يتمكن الاتحاد السوفيتي ثم الولايات المتحدة من فرض نتائج دائمة رغم تفوقهما العسكري الساحق.
وفي كثير من النزاعات الحديثة يتكرر المشهد نفسه بأشكال مختلفة.
فالقوة العسكرية قد تكسب المعارك، لكنها لا تضمن دائماً كسب الحرب.
ربما يكون أهم ما يمكن استخلاصه من النقاش الذي أثاره روبرت كاغان أن فهم السياسة الدولية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الصواريخ والطائرات والجيوش.
فالقوة ليست ما تملكه الدول من أدوات فقط، بل ما تملكه من استعداد لاستخدام تلك الأدوات وتحمل نتائج استخدامها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في كثير من الصراعات ليس:
من يملك السلاح الأقوى؟
بل:
من يمتلك الإرادة الأطول نفساً؟
ففي التاريخ، لم ينتصر الأقوى دائماً، بل انتصر في أحيان كثيرة الطرف الذي استطاع الصمود مدة أطول.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

تعليقات