
كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة
- قبل يوم واحد
- 2 دقيقة قراءة
كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة
د. علاء محمود التميمي
تموز ٢٠٢٦
في التاسع عشر من تموز، أُسدِل الستار على كأس العالم ٢٠٢٦، بعد نهائي نيويورك–نيوجيرسي بين إسبانيا والأرجنتين. فازت إسبانيا باستحقاق، في مواجهة حملت نكهة الثأر بعد لقائهما في نصف نهائي ٢٠٢٢، حين فازت الأرجنتين بركلات الترجيح. وخلال شهر من الاحتفال، تابع المباراة النهائية مليار وثمانمائة مليون مشاهد.
مهما كان الفائز، تظل البطولة أكبر من نتيجتها الأخيرة، وأوسع من فرحة الفائز وحزن الخاسر.
كأس العالم ليس مباريات وأهدافاً فحسب، بل لحظة نادرة يتوقف فيها العالم أمام شاشة واحدة، ويتحدث لغة مشتركة اسمها كرة القدم. جلس الغني والفقير، الطفل والشيخ، أمام المشهد نفسه، وتنافسوا بشدة من دون أن يتحولوا إلى أعداء.
جاءت بطولة ٢٠٢٦ مختلفة؛ فالمشاركة الأولى لـ٤٨ دولة، والتنظيم المشترك بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وسّعا دائرة كرة القدم إلى شعوب كانت بعيدة عن النهائيات. وللمرة الأولى، توقفت المباراة نصف ساعة بين الشوطين لعرض استعراضي، محاكاةً لـ"سوبر بول" الأميركي، حيث تتحول الكرة إلى أرباح.
يدير الحدث الاتحاد الدولي (FIFA)، الذي تأسس في باريس ١٩٠٤ بـ٧ اتحادات، ليصبح اليوم أكبر منظمة رياضية تضم ٢١١ اتحاداً، ومقره زيوريخ.
ومن المفارقات أن بريطانيا، دولة واحدة، تمثلها أربعة اتحادات مستقلة (إنجلترا، اسكتلندا، ويلز، أيرلندا الشمالية)؛ لأنها الأقدم في التاريخ، واحتفظت بعضويتها ومنتخباتها وأصواتها، بينما تمثل غالبية الدول باتحاد واحد.
لكن البطولة لم تخلُ من الجدل. أثارت قرارات التحكيم، خاصة بتقنية الفيديو (VAR)، شكوكاً واسعة. وهذه التقنية، التي دخلت رسمياً منذ روسيا ٢٠١٨، ما زالت مثار خلاف.
برز الجدل بعد إلغاء هدف مصري في مرمى الأرجنتين، وانتقد الاتحاد المصري طريقة استخدام التقنية. ثم اعترضت سويسرا على قرارات في مباراتها مع الأرجنتين، وانتقد مدربها قواعد المراجعة. وامتد الشك إلى مباراة إنجلترا والنرويج، بعد احتساب هدف قيل إن الكرة لامست سلك كاميرا قبلها، وهي حالة كان يفترض أن توقف اللعب.
لا تعني هذه الاعتراضات تلاعباً بنتائج المباريات، فلا دليل على ذلك. لكنها تكشف عن مشكلة أعمق: حين تشعر الجماهير بأن القرارات لا تُطبَّق بمعيار واحد، تتراجع الثقة بالبطولة، حتى لو كان القرار صحيحاً قانونياً.
أُدخلت الـVAR لتقليل الأخطاء، لكنها أثبتت أن الصورة ليست كل الحقيقة. الكاميرا تنقل اللقطة، لكن الإنسان يختار الزاوية، ويفسر الاحتكاك، ويقرر إن كان الخطأ يستحق التغيير. وهكذا أصبحت المشكلة مرتبطة بالاتساق والشفافية، لا بالتكنولوجيا. فالعدالة لا تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل بتطبيق القواعد بالمعيار نفسه على الكبير والصغير، والشهير والمغمور، في الدقيقة الأولى والأخيرة.
وهنا يكمن الجوهر: كرة القدم لا تعيش بلا ثقة. حين يشك المشجع بأن اسم المنتخب أو مكانة اللاعب أو المصالح التجارية تؤثر في القرار، يتحول الخطأ إلى تهديد لجوهر المنافسة.
قوة كأس العالم ليست في الملاعب الفخمة أو الأموال، بل في اقتناع الجماهير بأن كل منتخب، مهما كان صغيراً، يملك فرصة عادلة. مع صافرة البداية، تختفي قوة الدول الاقتصادية والسياسية، ويبقى اللاعب والكرة والقانون.
وهذه رسالة الرياضة الأعمق للعالم: في الملعب حدود واضحة، وقت معلوم، قواعد معلنة، حكم مستقل، فائز لا يهين منافسه، وخاسر يقبل النتيجة. وكم سيكون عالمنا أفضل لو تعلّمت السياسة من هذه المبادئ.
اليوم، أُطفئت الأضواء، وغادر الجميع، وتبقى النتائج في السجلات. سيتذكر الناس البطل والهداف وأجمل المباريات، كما سيتذكرون بعض القرارات المثيرة للغضب.
لكن الأهم هو السؤال الذي تطرحه كل منافسة كبرى:
هل جعلنا المباراة عادلة بقدر ما جعلناها ممتعة؟
جمال كرة القدم ليس في فوز الأقوى، بل في أن يثق الجميع بأن الفائز فاز باستحقاق. وعندها تصبح الكرة أكثر من لعبة، وتصبح كأس العالم احتفالاً حقيقياً بالإنسان وقدرته على التنافس بشغف دون فقدان الاحترام.
نُشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي


تعليقات