top of page

: بين الدوحة وواشنطن: هل تخضع حقوق الإنسان لميزان واحد أم لموازين متعددة؟

  • قبل يوم واحد
  • 2 دقيقة قراءة

في خضم التغطيات الإعلامية المصاحبة لانطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لفت انتباهي تعليق مقتضب أدلى به صحفي فرنسي خلال مقابلة تلفزيونية، قال فيه:

“كان من السهل انتقاد قطر ووضع شارات المثليين، أما اليوم فقد اختفوا تمامًا. أين هم الآن؟”

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد ملاحظة عابرة، لكنها في الواقع تفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بطبيعة الخطاب الحقوقي والإعلامي في عالمنا المعاصر: هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع، أم أن بعض الدول تخضع لمقاييس مختلفة عن غيرها؟

قبل أربع سنوات، وخلال كأس العالم في قطر، تحولت البطولة الرياضية إلى ساحة نقاش سياسي وثقافي عالمي. لم يكن الحديث مقتصرًا على كرة القدم، بل شمل قضايا العمالة الوافدة والحريات الفردية والمثلية الجنسية. ظهرت الشارات والرموز والبيانات، وتصدرت هذه الملفات عناوين الصحف وشاشات التلفزيون لأشهر طويلة.

كان من حق أي شخص أو مؤسسة أن يناقش تلك القضايا، بل إن النقاش العام حول حقوق الإنسان أمر مشروع وضروري في أي مجتمع. لكن السؤال الذي طرحه كثيرون آنذاك كان بسيطًا: هل ستُستخدم المعايير ذاتها عندما تُقام البطولة في دول أخرى؟

اليوم تستضيف الولايات المتحدة الجزء الأكبر من مونديال 2026. وخلال السنوات الأخيرة شهدت البلاد نقاشات سياسية واجتماعية حادة حول قضايا الهوية والحريات والتعليم والمثلية الجنسية، وأصدرت بعض الولايات تشريعات أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ومع ذلك، لا نرى المشهد الإعلامي ذاته الذي رأيناه قبل مونديال قطر.

لا نرى الحملات نفسها، ولا الحماسة نفسها، ولا الزخم ذاته الذي رافق البطولة السابقة.

قد يختلف البعض حول أسباب ذلك. فهناك من يرى أن الفوارق القانونية والثقافية بين الحالتين تجعل المقارنة غير دقيقة. وهناك من يعتبر أن الإعلام الغربي يتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها جزءًا من فضائه الحضاري والسياسي، وبالتالي ينظر إلى قضاياها من زاوية مختلفة.

لكن بصرف النظر عن التفسيرات، تبقى النتيجة واحدة: الانطباع المتزايد لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي بأن الخطاب الحقوقي لا يُمارس دائمًا بالقدر نفسه من الاتساق.

والمشكلة هنا لا تتعلق بقطر أو أمريكا تحديدًا، بل بالمبدأ نفسه.

فالحقوق تفقد جزءًا من قوتها الأخلاقية عندما تتحول إلى أداة انتقائية. وعندما يُلاحظ الناس أن بعض الدول تتعرض لنقد مكثف بينما تُعامل دول أخرى بقدر أكبر من التسامح أو الصمت، فإنهم يبدأون بالتشكيك ليس في الوقائع فحسب، بل في صدقية الخطاب نفسه.

لقد أصبحت الشعوب أكثر وعيًا وقدرة على المقارنة مما كانت عليه في الماضي. فالمعلومات متاحة للجميع، والمشاهد العادي يستطيع أن يلاحظ التناقضات بسهولة. ولذلك فإن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا يقوم على اختيار المعارك المريحة، بل على الالتزام بالمبدأ ذاته في كل الحالات.

إن العدالة لا تتجزأ، والحقوق لا ينبغي أن تُقاس بميزانين. فإذا كانت القيم التي يرفعها الغرب قيمًا عالمية، فيجب أن تُطبق عالميًا دون استثناء. أما إذا أصبحت مرتبطة بموازين القوة والمصلحة والقدرة على التأثير، فإنها تتحول من مبادئ أخلاقية إلى أدوات سياسية.

ليس المطلوب اليوم مهاجمة الولايات المتحدة كما هوجمت قطر، ولا تبرئة أي طرف من النقد المشروع. المطلوب فقط هو الاتساق.

فالإنسان لا يطلب من المدافعين عن الحقوق أن يوافقوه في الرأي، بل أن يلتزموا بالمبدأ نفسه أينما كان.

وفي زمن تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الإعلامية والسياسية حول العالم، ربما يكون أكبر تحدٍ يواجه الخطاب الحقوقي هو استعادة مصداقيته.

أما الطريق إلى ذلك، فهو بسيط نظريًا وصعب عمليًا:

أن نقول الشيء نفسه للجميع، وأن نقيس الجميع بالميزان نفسه.

عندها فقط تصبح حقوق الإنسان قيمة إنسانية عالمية، لا شعارًا يُرفع حينًا ويُخفى حينًا آخر.



المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين تصبح السرعة إسلوب حياة

خاطرة الجمعة حين تصبح السرعة أسلوب حياة د. علاء محمود التميمي حزيران ٢٠٢٦ لم يكن الإنسان في أي عصر من العصور يملك من وسائل الراحة والاتصال ما يملكه اليوم. بضغطة زر نستطيع الوصول إلى المعلومة، والتواصل

 
 
 
كأس العالم بين الحلم الإنساني وحدود السياسة

عندما انطلقت أول بطولة لكأس العالم في أوروغواي عام 1930، كانت الفكرة أكبر من مجرد منافسة رياضية. فقد مثلت البطولة آنذاك احتفالاً بقدرة الشعوب على اللقاء في فضاء مشترك تتراجع فيه الحدود السياسية أمام ش

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page