top of page

حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف

  • قبل 10 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة

حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف


د. علاء محمود التميمي

نيسان ٢٠٢٦


في عالم الاستراتيجية العسكرية، تُعد نظرية جون واردن المعروفة بـ“الحلقات الخمس” من أكثر الأفكار تأثيرًا في الحروب الحديثة. تقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: الدولة ليست مجرد جيش، بل نظام متكامل يتكون من القيادة، والأنظمة الحيوية (كالطاقة والاقتصاد)، والبنية التحتية، والسكان، والقوات المسلحة. ويرى واردن أن الطريق الأسرع لهزيمة الخصم ليس عبر استنزاف جيشه في الميدان، بل عبر ضرب مركز هذا النظام—أي القيادة وما يحيط بها من عناصر حيوية—لشلّ قدرته على العمل من الداخل.


هذه الفكرة تبدو حاضرة بوضوح في الحرب الجارية منذ 28 شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالحملة العسكرية ركزت، على استهداف القيادة الإيرانية والبنية الحيوية، في محاولة لإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرار والاستمرار. لكن ما يجعل هذه الحرب مختلفة هو أن إيران لم تتعامل معها كهدف سلبي، بل ردّت بخطة مضادة قلبت المعادلة رأسًا على عقب.


بدل أن تواجه الضربات بضربات مماثلة داخل اسرائيل ولعدم تمكنها من الوصول إلى الأراضي الأمريكية—وهو أمر غير ممكن عمليًا—اختارت إيران أن تنقل المعركة إلى نقطة حساسة في النظام العالمي: مضيق هرمز. هذا المضيق ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. وبالتالي، فإن تعطيله لا يؤثر على دولة واحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.


هنا يظهر التحول الذكي في الاستراتيجية: إذا كانت خطة واردن تقوم على شلّ الدولة من الداخل، فإن الخطة الإيرانية تقوم على شلّ بيئة الخصم من الخارج. بمعنى آخر، إيران تقول: “قد لا أستطيع منعكم من ضربي، لكنني أستطيع أن أجعل كلفة هذه الحرب عليكم وعلى العالم مرتفعة جدًا.” ولذلك، لم تقتصر الردود الإيرانية على الداخل، بل شملت تهديد الملاحة، واستهداف مصالح أمريكية في الخليج، وإدخال المنطقة كلها في دائرة التوتر.


هذا التباين يكشف أن ما يجري ليس مجرد حرب تقليدية، بل صراع بين نموذجين مختلفين في التفكير. النموذج الأول—الأمريكي الإسرائيلي—يعتمد على الضربات الدقيقة التي تستهدف مراكز القرار والبنية الحيوية. أما النموذج الثاني—الإيراني—فيعتمد على الاستنزاف، وتوسيع ساحة الحرب، ونقلها إلى الاقتصاد العالمي، بحيث لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المستهدفة.


ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل: من يستطيع تحمّل الكلفة الأطول؟ فحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن إيران متماسكة من الداخل، رغم شدة الضربات. ول نجحت في جعل الحرب مكلفة ومفتوحة، خصوصًا مع استمرار التوتر في مضيق هرمز وتأثيره على الأسواق العالمية.


من هنا، يمكن فهم طبيعة هذه الحرب بشكل أوضح: الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان تحقيق حسم سريع عبر ضرب “القلب”، بينما تحاول إيران منع هذا الحسم عبر إشعال “الأطراف”. الأولى تراهن على الشلل، والثانية تراهن على الاستنزاف. والنتيجة حتى الآن لا انتصار حاسم، ولا هزيمة كاملة، بل صراع يتسع ويزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.


الخلاصة اهي أن نظرية جون واردن لا تزال حاضرة في طريقة التفكير العسكري الغربي، لكنها لم تعد كافية وحدها لفهم الحروب الحديثة. فحين يكون الخصم قادرًا على نقل المعركة إلى خارج حدوده، وعلى التأثير في الاقتصاد العالمي، فإن الحرب لا تُحسم فقط في السماء أو على الأرض، بل في الممرات البحرية، والأسواق، وقدرة الدول على تحمّل الألم. وفي هذه الحرب تحديدًا، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول إيران، بل حول من سيفرض على الآخر كلفة لا يستطيع الاستمرار في تحملها.

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي


المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
بين درس العراق 2003 وحرب إيران الجارية: هل يعيد الشرق الأوسط إنتاج الكارثة نفسها؟

دخلت الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة واسرائيل أسبوعها الخامس وبدأت آثاره تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة الدولية وتوازنات الإقليم بأسره. ومن هنا، فإن استدعاء تجربة العرا

 
 
 
قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران

قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران د. علاء محمود التميمي اذار ٢٠٢٦ ليس من الصعب، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، أن تطغى لغة الأرقام: عدد الضربات، حجم الخسائر، وعدد ا

 
 
 
سقوط إيران: نهاية نظام أم بداية فوضى؟

كما ذكرت في مقالي السابق سنبدأ بالسؤال التالي و احتمال سقوط النظام الإيراني، حيث يتبادر إلى الذهن سريعًا مشهدٌ بسيط في ظاهره: خصمٌ إقليمي كبير يتراجع، فتتنفس اسرائيل وبعض دول المنطقة الصعداء. لكن السي

 
 
 

1 تعليق واحد

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
الدكتور مجيد عيسى
منذ 5 ساعات
تم التقييم بـ 5 من أصل 5 نجوم.

رائع مناقشة نظرية جون واردن على ضوء الحرب الدائرة وبفهم علمي واستراتيجي عميق واستقراء المراحل القادمة للصراع القائم وتأثيراته التي لا تقتصر على الدول المتحاربة بل المنطقة والعالم . مرة اخرى تحليل رائع.

إعجاب
bottom of page