حين تصمت الحدود ويسقط الوهم
- قبل يوم واحد
- 2 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة
حين تصمت الحدود ويسقط الوهم
د علاء محمود التميمي
حزيران ٢٠٢٦
هناك لحظة نادرة، لا تُمنح إلا لقلة محظوظة من البشر، تتغير فيها زاوية الرؤية إلى الأبد. يسميها رواد الفضاء "تأثير النظرة الشاملة". إنها ليست مجرد تأمل شعري في جمال الكوكب الأزرق المعلق في الظلام، بل صدمة معرفية عميقة. في تلك اللحظة، تدرك بجلاء مرعب ما ننساه كل يوم على السطح: أننا جميعًا، بكل لغاتنا وصراعاتنا، ركاب في سفينة فضائية واحدة.
السفينة الأرضية، كما يصفها العلماء، تحمل مليارات من أفراد الطاقم. نظام دعم حياتها واحد لا يتجزأ، ولا يحمل في مخزنه "نسخة احتياطية". هنا، عند هذه النقطة بالذات، ينهار كل ترتيب ألفناه. لقد ربّينا أنفسنا على أن الاقتصاد هو الغاية القصوى، وأن النمو مؤشر الصحة الوحيد. لكن من المدار، يبدو هذا الوهم سخيفًا. الأولوية الحقيقية، التي يصرخ بها صمت الفضاء، هي: الكوكب أولًا، ثم المجتمع، ثم الاقتصاد. لأنه ببساطة، دون كوكب سليم، لا يمكن أن يوجد مجتمع، ولن يقوم لأي اقتصاد قائمة.
العبقرية القاسية لهذه الرؤية أنها تجردنا من أثقل ما نحمله: الأوهام. من الأعلى، لا توجد خطوط مرسومة على الماء أو التراب. الملوثات المنبعثة في مصنع ببلاد بعيدة لا تحمل جواز سفر، ولا تتوقف عند نقطة تفتيش. الأنظمة المناخية لا تعترف بحدودنا، ولا تحترم سياجنا. الضرر الذي يبدأ في رئة الأرض، يمتد أثره كالنار في الهشيم إلى جسد الكوكب كله. نحن ننفق ثرواتنا ونستنزف عقولنا في الدفاع عن انقسامات، لا وجود لها من الأعلى. إنها مجرد حكايات اخترعناها كي ننام مطمئنين.
المأساة أننا نتصرف، في غالبيتنا، كركاب لا كحراس. ندفع ثمن التذكرة، ونفترض أن أحدًا آخر، ربما طاقم القيادة، سيتولى مهمة الحفاظ على المحركات وأنظمة الأكسجين. نادرًا ما نرفع رؤوسنا لنسأل: من يقود هذه السفينة حقًا؟ الحقيقة أن القيادة مشتركة، والمسؤولية موزعة علينا جميعًا، كأفراد طاقم لا يملكون رفاهية التخلي عن المركبة.
إن "تأثير النظرة الشاملة" ليس مجرد وصف لحالة نفسية عابرة، بل هو درس للبقاء. إنه يدعونا إلى إعادة التفكير في أولويات البشرية جمعاء، ليس من موقع الرفاهية الأخلاقية، بل من موقع الضرورة القصوى. فليس لنا موطن بديل نلوذ به. ليس لنا طريق للهروب. كل ما لدينا هو هذه الكرة الرخامية الزرقاء، تدور بصمت في بحر من العتمة، تنتظر منا أن نستيقظ من سباتنا الطويل، ونصبح أوفياء للقب الوحيد الذي يليق بنا: حرّاس الأرض.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي


تعليقات