
حين يصعد العمق إلى السطح
- قبل يومين
- 2 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة
حين يصعد العمق إلى السطح
د. علاء محمود التميمي
تموز 2026
في أقصى شرق كندا، وعلى الساحل الغربي لجزيرة نيوفاوندلاند، يقع منتزه غروس مورن الوطني، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو. هناك، وبين الجبال والبحيرات والمضايق، تقف منطقة تُعرف باسم Tablelands، تبدو للناظر مختلفة عن كل ما يحيط بها. لا غابات كثيفة تغطيها، ولا خضرة تكسو سفوحها، بل صخور عارية تميل إلى الحمرة والبني، وكأنها جاءت من عالم آخر.
وقفت أمامها أتأمل هذا المشهد، قبل أن أدرك أن ما أراه ليس مجرد منظر طبيعي فريد، بل صفحة مفتوحة من تاريخ الأرض.
يقول علماء الجيولوجيا إن هذه الصخور لم تكن في الأصل فوق سطح الأرض، بل كانت جزءاً من وشاح الأرض، على عمق عشرات الكيلومترات تحت القشرة التي نعيش عليها. وقبل نحو نصف مليار سنة، بدأت الصفائح التكتونية، التي تتكون منها القشرة الأرضية، تتحرك ببطء شديد. وعندما اصطدمت قارتان، لم تقتصر النتيجة على تكوين الجبال، بل دفعت قوة التصادم أجزاءً من أعماق الأرض إلى الأعلى، ثم جاءت ملايين السنين من التعرية بفعل الرياح والمياه والجليد لتكشف تلك الصخور أمام أعيننا.
وهكذا أصبح ما كان مدفوناً في الأعماق جزءاً من سطح الأرض، يراه الناس ويمشون فوقه.
ولعل في هذه الظاهرة الطبيعية معنى يتجاوز الجيولوجيا؛ فالإنسان أيضاً يتكون من طبقات. تظهر منه على السطح صورة هادئة، بينما تختزن أعماقه تجارب وآلاماً وأحلاماً لا يراها الآخرون. وقد تمر السنوات من دون أن تظهر تلك الطبقات، إلى أن تأتي ضغوط الحياة، فترفع شيئاً من الداخل إلى الخارج.
ليست الضغوط دائماً قوة هدم، بل قد تكون قوة كشف وتشكيل. فلولا تصادم الصفائح، لما ارتفعت الجبال، ولما انكشف ذلك الجزء النادر من باطن الأرض. ولولا ما يواجهه الإنسان من امتحانات، لما اكتشف أحياناً مقدار ما يختزنه في أعماقه من صبر، أو حكمة، أو قدرة على النهوض من جديد.
لكن الأرض تعلمنا درساً آخر لا يقل أهمية؛ فالتحولات الكبرى لا تحدث فجأة. فالجبال لا ترتفع في يوم، والقارات لا تغير مواقعها في سنة، والصخور التي نراها اليوم احتاجت ملايين السنين حتى تصل إلى سطح الضوء. أما نحن، فكثيراً ما نستعجل النتائج، ونقيس الحياة بأيامنا القصيرة، بينما تعمل الطبيعة وفق زمن مختلف.
إن القارات تتحرك بصمت، والجبال تنمو بصمت، وحتى الأنهار التي تنحت الصخور لا تفعل ذلك بالقوة، بل بالاستمرار.
وربما تكون حياتنا كذلك. فالفكرة العظيمة لا تولد مكتملة، والشخصية لا تُبنى في لحظة، والنجاح ليس قفزة واحدة، بل تراكم هادئ لا نلحظه إلا عندما ننظر إلى الوراء.
وفي غروس مورن، لا يقف الإنسان أمام منظر طبيعي جميل فحسب، بل أمام دليل حي على أن أعماق الأرض قد تصعد يوماً إلى السطح. وهناك أدركت أن السطح ليس دائماً بداية الحكاية، بل نهايتها؛ أما القصة الحقيقية، فقد بدأت في الأعماق.
وربما كان هذا هو الدرس الذي تمنحه لنا الطبيعة كلما أحسنا الإصغاء إليها: إن ما نصبح عليه في النهاية يتشكل بعيداً عن أعين الناس، في تلك الأعماق التي لا يراها أحد. وما يظهر للآخرين ليس إلا ثمرة رحلة طويلة من الصبر، والضغط، والتغيير.
فالجبال ليست سوى أعماقٍ ارتفعت إلى النور، والإنسان العظيم ليس سوى أعماقٍ صقلتها الحياة حتى أصبحت جديرة بأن تُرى.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود

تحياتي أخي د علاء
كما عودتنا في كل جمعة تثير عقولنا بخاطرة قصيرة لكنها واسعة بافكارها وتساؤلاتها.
فكرة جميلة انك ربطت صيرورة الإنسان وشبهتها بتطورات الأرض وطبقاتها عبر الزمن وإن هذه التغييرات تحدث عبر مسارات زمنية طويلة وكذلك الإنسان تتطور وتتغير قدراته العقلية والجسدية عبر الزمن وبعض التغيرات تاتي نتيجة تحديات ومصاعب كبيرة تشبه التغيرات الكبيرة التي تحدث في باطن الارض وفي الإنسان تحدث في عقله وقلبه ومن ثم تنعكس في سلوكه.
سلمت يداك وادام الله الصحة والعافية لكم لكي نستمر بقراءة المزيد من الخواطر الفكرية والعلمية والتاريخية.