
خاطرة الجمعةبعد مئتين وخمسين عاماً… ما الذي يصنع الدولة؟
- قبل يوم واحد
- 2 دقيقة قراءة
خاطرة الجمعة
بعد مئتين وخمسين عاماً… ما الذي يصنع الدولة؟
د. علاء محمود التميمي
٣ تموز ٢٠٢٦
في كل مناسبة تاريخية، لا أبحث عن تمجيد أمة أو التقليل من شأن أخرى، بل أحاول أن أقرأ التجارب بعين مفتوحة، وأن أتعلم من الوقائع أكثر مما أستجيب للأفكار المسبقة.
ومع قرب حلول الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وجدت نفسي أتوقف أمام سؤال يستحق التأمل:
ما الذي يصنع الدولة؟
عندما أُعلن الاستقلال الأمريكي عام 1776، لم تكن الولايات المتحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ كما نعرفها اليوم، بل كانت تتكون من ثلاث عشرة مستعمرة على الساحل الشرقي.
وبعد أحد عشر عاماً، أُقر الدستور عام 1787، ليؤسس إطاراً سياسياً وقانونياً لدولة اتحادية ناشئة. وفي العام نفسه، وُضع "مرسوم الشمال الغربي" الذي حدد آلية انضمام الأقاليم الجديدة كولايات متساوية في الحقوق مع الولايات الأصلية، لا كمستعمرات تابعة. ثم، وعلى مدى عقود طويلة، توسعت الدولة غرباً حتى بلغت المحيط الهادئ، وانضمت إليها ولايات جديدة، ليصبح الاتحاد مكوناً من خمسين ولاية، وليصبح العلم نسيجاً من النجوم أُضيفت نجمة نجمة، لا رصاصة رصاصة.
إن ما يستحق التأمل ليس الاتساع الجغرافي بحد ذاته، بل قدرة الدستور والمؤسسات على استيعاب هذا التوسع الهائل دون أن يتحول كل إقليم جديد إلى دولة مستقلة.
فقد سبقت المؤسسات الجغرافيا، وسبقت الفكرة السياسية اتساع الحدود. وهنا يبرز سؤال افتراضي: ماذا لو لم تُقر تلك الآلية المؤسسية قبل التوسع؟ هل كانت أمريكا ستصبح أمريكا، أم قارة من دويلات تتقاتل كأمم أوروبا؟
وعندما أنظر إلى خريطة الوطن العربي، أجد أن المسافة من طنجة إلى بغداد تقارب المسافة بين المحيطين في أمريكا. لكن المقارنة هنا ليست بين شعب وآخر، ولا بين حضارة وأخرى، فلكل تجربة ظروفها التاريخية ومسارها السياسي. فقد نشأت الولايات المتحدة في سياق مختلف تماماً عن السياق الذي تشكلت فيه الدول العربية الحديثة بعد انهيار الدولة العثمانية، ثم حقبة الاستعمار، ثم قيام الدول الوطنية. وكم من مرة جمعتنا فكرة عابرة، فافترقنا لأننا لم نؤسس قبل أن نتوسع، فكانت الوحدة نداءً بلا هيكل، والتاريخ شاهداً.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل يكفي التاريخ المشترك واللغة المشتركة لبناء كيان سياسي ناجح؟ أم أن الأساس الحقيقي يكمن في بناء المؤسسات، واحترام الدستور، والاتفاق على قواعد إدارة الاختلاف قبل الاتفاق على كل شيء آخر؟
لقد أثبت التاريخ أن اتساع الأرض ليس العقبة الكبرى، كما أن التقارب الثقافي ليس ضمانة للوحدة. فالدول لا تقاس بمساحتها، وإنما بقدرة مؤسساتها على البقاء، وبثقة مواطنيها في القانون، وبوجود مشروع وطني يتجاوز الأشخاص والأجيال.
بعد مرور مئتين وخمسين عاماً على الاستقلال الأمريكي، قد يكون أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة ليس كيف أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى، بل كيف استطاع المؤسسون أن يضعوا إطاراً دستورياً عاش أطول من أعمارهم، واستوعب تحولات لم يكونوا قادرين على تصورها.
فالتاريخ لا يدعونا إلى تقليد الآخرين، وإنما إلى فهم أسباب نجاحهم وإخفاقهم، ثم البحث عن طريقنا الخاص. طريق لا يكتفي بسرد أمجاد الماضي، بل يتجرأ على بناء هياكل المستقبل.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في أذهاننا هو:
هل نبني الأوطان باتساع الجغرافيا… أم بعمق الفكرة التي تجمع أبناءها؟
نُشرت هذه الخاطرة في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي:

تعليقات