عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة
- Alaa Tamimi

- 20 سبتمبر 2025
- 2 دقيقة قراءة
عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة
د علاء التميمي
أيلول ٢٠٢٥
رحل عن دنيانا قبل أيام في الأردن الدكتور المهندس عامر محمد رشيد، العالم العراقي الجليل الذي كرّس عمره للبحث والتطوير، تاركًا إرثًا من العلم والخلق والإنسانية. رحل كما عاش، بصمت العلماء ووقارهم، بعيدًا عن ضوضاء السياسة وصخبها، لكنه – مثل كثير من علماء العراق – وجد نفسه في زمنٍ قاسٍ محشورًا بين متطلبات السلطة وواجبات الوطن.
لقد قدّر لي أن أعمل معه منتصف الثمانينات من القرن الماضي حين كان يرأس هيئة البحوث والتطوير الفني ، وكنت يومها خبيرًا إنشائيًا في قسم الإنشاءات إلى جانب الدكتور كوان العاني. لم يكن مجرد رئيسٍ لهيئة، بل كان قدوة في التواضع، راقيًا في تعامله، كريمًا في عطائه، يترك أثرًا عميقًا في كل من عرفه. ولقد طبع مسيرتي المهنية بدرسٍ خالد: أن العالم الحقيقي لا يعرّفه منصبه، بل يعرّفه علمه وأخلاقه وطريقة تعامله مع من حوله.
كما قدّر الله أن أعمل أيضًا بعد ذلك مع الدكتور جعفر ضياء جعفر، عندما كان نائب رئيس منظمة الطاقة الذرية العراقية، حين كنت رئيسًا لهيئة التصاميم في المنظمة كان هو الآخر علمًا بارزًا ورجلاً إداريًا فذًا، عاش للعلم، ورفع من شأن من عمل معه، لكنه أيضًا لم يسلم من ذلك القدر الذي يجعل العالم في العراق دومًا أسيرًا لزمنه، مرغمًا على الوجود في معادلة السياسة وهو أبعد ما يكون عنها.
وهنا تتكشف المأساة:
في بلدان كثيرة، يُكرَّم العلماء وتُصان مكانتهم بعيدًا عن الصراعات، أما في العراق فقد عاشوا دومًا في قلب العاصفة. لم يسعوا إلى السياسة، لكنها لحقت بهم، لتضعهم في موقع لا يشبه رسالتهم، وتحمّلهم تبعات عهد لم يكن لهم فيه يد. ومع ذلك، ظلوا أوفياء لوطنهم، يقدمون علمهم بصمت، ويواصلون العمل في أحلك الظروف.
إن رحيل الدكتور عامر محمد رشيد يفتح جرحًا أكبر من مجرد فقدان عالم جليل؛ إنه يعيد التذكير بقضية العلاقة بين العلم والسياسة في العراق. فالعلماء عندنا لم يُترك لهم المجال ليكونوا أحرارًا في ميدانهم، بل وجدوا أنفسهم محشورين بين مطرقة السلطة وسندان المسؤولية. ومع ذلك، لم يتخلوا عن رسالتهم، لأنهم أدركوا أن خدمة الوطن بالعلم أسمى من كل حساب آخر.
رحم الله الدكتور عامر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه في ميزان حسناته. وأطال الله في عمر الدكتور جعفر، ليبقى شاهدًا على جيلٍ من العلماء الذين أثبتوا أن خدمة العراق بالعلم لا تُقاس بالسياسة ولا تُقيدها الأنظمة. فالعلماء يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى خالدًا، يضيء ذاكرة الوطن مهما أثقلته العصور بالظلم والتقلبات.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيتعلم العراق يومًا أن يضع علماؤه في مكانهم الطبيعي، حماةً للمعرفة ومناراتٍ للنهضة، بعيدًا عن ضغوط السياسة وصراعاتها؟ أم سيبقى العلماء محشورين في معادلات لا تشبه رسالتهم، حتى يرحلوا بصمت، ويخسرهم الوطن في الغربة؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

هذا النص لا ينعى رجلاً بقدر ما يفضح زمناً كاملاً يرثي عالمًا لكنه في العمق يرثي علاقة مختلة بين الدولة والعقل... بين الوطن وأبنائه الأجدر بحمايته.
الدكتور عامر محمد رشيد – كما الدكتور جعفر ضياء جعفر ومن على شاكلتهم – لم يكونوا “رجال مرحلة” بقدر ما كانوا ضحاياها النبلاء لم يدخلوا السياسة طمعاً ولم يطلبوا السلطة وجاهاً لكنهم وُضعوا فيها قسراً لأن الدولة العاجزة دائماً ما تستعير هيبة العلم لتغطية هشاشتها. وحين يسقط الزمن، يُترك العلماء وحدهم في مواجهة تبعات لم يصنعوها.
المؤلم في التجربة العراقية ليس فقط أن العلماء رحلوا بصمت بل أن الوطن اعتاد هذا الصمت ولم يتعلم أن غيابهم خسارة وجودية لا تعوض. ففي الدول التي تفهم نفسها يُستثمر العقل ليقود النهضة، أما عندنا فيُستنزف حتى يغادر…
رحم الله د عامر والذي سيبقى اسمه خالدا ما زال زملاء شرفاء امثالكم د علاء يكتب ويذكر مناقب هذا العالم والذي لا يملك بلدا له قيمة حتى يهتم بعلمائه.