كأس العالم بين الحلم الإنساني وحدود السياسة
- قبل 15 ساعة
- 2 دقيقة قراءة
عندما انطلقت أول بطولة لكأس العالم في أوروغواي عام 1930، كانت الفكرة أكبر من مجرد منافسة رياضية. فقد مثلت البطولة آنذاك احتفالاً بقدرة الشعوب على اللقاء في فضاء مشترك تتراجع فيه الحدود السياسية أمام شغف إنساني واحد هو كرة القدم.
لكن تاريخ كأس العالم يبين أن الرياضة لم تكن يوماً بعيدة تماماً عن السياسة. ففي إيطاليا عام 1934 أدرك بينيتو موسوليني مبكراً القوة الرمزية لكرة القدم، فسعى إلى توظيف البطولة لإظهار قوة النظام الفاشي وهيبته. وبعد ذلك بسنوات، شهد العالم أمثلة أخرى استخدمت فيها الأنظمة السياسية الرياضة لتعزيز شرعيتها أو تحسين صورتها الداخلية والخارجية.
واليوم، وبعد نحو قرن من انطلاق البطولة الأولى، يجد العالم نفسه أمام مفارقة جديدة مع كأس العالم 2026 المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. فبينما يفترض أن يكون الحدث احتفالاً عالمياً مفتوحاً، برزت خلال الأسابيع الأخيرة قضايا تتعلق بتأشيرات الدخول وقيود السفر ومنع بعض الحكام والمسؤولين والجماهير من دخول الولايات المتحدة رغم ارتباطهم المباشر بالبطولة. فقد مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة رغم حيازته تأشيرة سارية، كما واجه عدد من المسؤولين الرياضيين من دول مختلفة صعوبات مماثلة في الحصول على إذن الدخول.
ورغم أن السلطات الأمريكية تؤكد أن الإجراءات ترتبط بقوانين الهجرة والأمن الوطني، فإن الجدل الذي أثارته هذه الحالات أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً: هل تستطيع الرياضة أن تبقى فضاءً عالمياً محايداً عندما تصطدم بسياسات الدول ومصالحها؟
إن كأس العالم ليس مجرد بطولة لكرة القدم، بل هو أحد أكبر مظاهر العولمة الثقافية في العصر الحديث. ففيه تلتقي شعوب لا يجمعها نظام سياسي واحد ولا لغة واحدة ولا دين واحد. ولهذا فإن قوة البطولة تكمن في قدرتها على تجاوز الحدود لا في إعادة إنتاجها.
لقد نجحت كرة القدم طوال عقود في خلق ما يمكن تسميته “المواطنة المؤقتة للعالم”، حيث يشعر مليارات البشر بأنهم جزء من حدث إنساني مشترك. غير أن الأحداث الأخيرة تذكرنا بأن الدولة الوطنية ما زالت تمتلك الكلمة الأخيرة في مسائل الدخول والخروج والإقامة، حتى عندما يتعلق الأمر بأكبر مهرجان رياضي على وجه الأرض.
والحقيقة أن هذه الإشكالية لا تخص الولايات المتحدة وحدها. فالتاريخ مليء بالأمثلة التي اصطدمت فيها الرياضة بالحروب والعقوبات والنزاعات السياسية والقيود الحدودية. الجديد اليوم هو أن العالم أصبح أكثر ترابطاً، وأصبحت القرارات المحلية ذات أثر عالمي فوري.
من هنا يمكن النظر إلى كأس العالم 2026 بوصفه اختباراً ليس فقط لقدرة المنتخبات على المنافسة، بل لقدرة العالم على المحافظة على فكرة الرياضة باعتبارها لغة مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية. فكلما ازدادت الحدود صلابة، ازدادت حاجة البشرية إلى فضاءات مشتركة تذكرها بأنها تنتمي إلى عالم واحد.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي أرادها مؤسسو كأس العالم قبل قرابة مئة عام: أن يتنافس البشر داخل الملعب، لا أن تمنعهم السياسة من الوصول إليه.

تعليقات