كيف خسرت المدينة صراعها مع الحداثة
- Alaa Tamimi

- 18 نوفمبر
- 3 دقيقة قراءة
د. علاء التميمي*
*تشرين الأول ٢٠٢٥*
*www.altamimialaablog.com*
يتردد في تاريخ العراق سؤالٌ جوهري: كيف يمكن لمدينةٍ عريقة مثل بغداد أن تتحول من فضاءٍ للفكرة والعقل والنقاش إلى فضاء تحكمه القوة والغلبة والغنيمة على مر العصور؟ في هذا المقال، سأحاول تتبّع المسار الطويل الذي أدى إلى فقدان بغداد لمدنيتها في صراعها مع السلطة، من خلال سلسلة من التحولات الاجتماعية والسياسية التي أعادت تشكيل المجتمع العراقي على مدى قرن كامل.
هذه ليست سردًا لأحداث سياسية، بل قراءةٌ في ديناميكية البنية العميقة التي ساهمت في ترييف المدينة وتراجع الذائقة وانكسار المشروع الحضاري.
تاريخ التراجع لا يرتبط بزمن محدد، إذ إن تدهور المدن العراقية—وخاصة بغداد—ليس نتيجة حدث سياسي بعينه، ولا قرارٍ مفاجئ؛ بل هو مسار طويل من التآكل المستمر. بدأ هذا المسار بتراجع الطبقة الوسطى، التي كانت القلب النابض للتمدّن والتنوير، وتواصل عبر تحولات بنيوية خلخلت المجتمع وغيّرت وجه المدينة.
في الستينات والسبعينات، كان العراق مجتمعًا حضريًا واثقًا من هويته: مدينة تقرأ، تغني، تكتب، تشيد، وتفكر. لكن المسار سرعان ما انعطف، ليس بفعل زلزال واحد، بل بتراكم مستمر لمنطق يقدّس القوة على حساب العقل، والغلبة على حساب القانون، والولاء على حساب المواطنة.
شكل سقوط النظام الملكي وصعود العسكر في تموز عام ١٩٥٨ نقطة تحول كبرى، حيث حلّ العسكري محل الدولة، وارتفعت قيمة القوة على حساب قيمة القانون. كما قال د. علي الوردي: «حين تقع السلطة بيد البداوة، تُستبدل الدولة بالغنيمة». وهكذا، تحولت السياسة إلى غلبة، والانتماء إلى ولاء، والثقافة إلى تهمة، مما جعل المدينة تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على الدفاع عن نفسها.
بدأ الترييف البطيء لبغداد والنزوح الريفي في الثلاثينات، ولكن لم يُواجَه بمشروع حضري يستوعب تدفق البشر، سواء من حيث الإسكان، التعليم، أو الصحة. وبدلًا من انتصار المدينة للأفكار المدنية، استسلمت لمعادلة الترييف. نشأت لغة جديدة: لغة خشنة وغاضبة، تقدّس القوة وتحتقر الصمت. كما أشار حنّا بطاطو، «تحوّلت بغداد من مدينة تعدّد إلى مساحة تتقاطع فيها قيم متناقضة». اختفت الفواصل بين المقهى والمضيف، بين النقاش والتهديد.
تراكمت الصدمات الكبرى—الحروب، الانقلابات، الحصار—مما جعل العنف لغةً يومية، وأعاد هيبة البداوة إلى المشهد، كما يشير د. عبد الحسين شعبان.
شكلت الفوضى الجديدة بعد 2003 منعطفًا حاسمًا؛ ليس بسبب الاحتلال فحسب، بل لأن البنية العميقة للمجتمع دخلت طورًا جديدًا من الترييف المضاعف، كما يسميه فالح عبد الجبار. تحوّلت الفوضى إلى نظام، والطائفة إلى مؤسسة، والعشيرة إلى سلطة، والدين إلى غطاء.
تراجعت المدينة التي كانت تغني لعفيفة إسكندر وناظم الغزالي، ومات المسرح، الجاد وخفتت الصحف خلال فترات طويلة وذُبحت الأشجار والمناطق الخضراء التي كانت جزءًا من ذاكرة البيوت والأحياء والمحلات . حلت محلها صناديق الكونكريت وتشوهات عمرانية وفنون عابسة، وتدهورت الذائقة إلى درجة صار فيها الصهيل "غناء"، وصليل السيوف "تراثًا"، وقرع الطبول "موسيقى".
يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا لم تتجذر الحداثة؟ لم يكن التراجع نتيجة قوة التخلف، بل نتيجة هشاشة الحداثة. فقد بقيت الحداثة في العراق مشروعًا نخبويًا معزولًا، قشرةً بلا جذور، مما جعلها تنهار بسرعة أمام ضغط التقاليد، والعسكرة، والطائفة، والغنيمة.
انسحبت القيم المدنية مع أهلها—هجرةً، ونفيًا، واغترابًا. وساد قانون الاقتصاد: «العملة الرديئة تطرد الجيدة». ومع تعرّي سقف الدولة، عاد الناس إلى الكهوف الأولى: العشيرة، الطائفة، الزعيم، والغنيمة.
وفي ختام هذا التحليل، أقول لا تولد الهمجية فجأة؛ إنها تعود كلما نام الوعي. الحضارة ليست مجرد مولات أو عمارات شاهقة أو "براندات"، بل هي ضمير جمعي. وعندما يتشوه هذا الضمير، تنهار المدينة، وتفسد الذائقة، ويخسر المجتمع بوصلته. ومع ذلك، تبقى فكرة المدينة الحية قابلة للعودة. قد تُقمع، قد تنزوي، لكنها لا تموت. ففي مكان ما من هذا البلد، وفي جيل قادم أو لم يولد بعد، تنمو جذوة جديدة يمكن أن تُعيد للمدينة مكانتها، وللفكرة ألقها، وللمستقبل اتزانه.

تعليقات