top of page

كيف غيرت التكنولوجيا الحديثة شكل المدينة

كيف غيّرت التكنولوجيا الحديثة شكل المدينة ؟


د.علاء التميمي

تشرين الاول ٢٠٢٥


خلال السنوات الأخيرة تغيّر شكل المدن من حولنا بسرعة لافتة، وكأنها تعيش طفرة جديدة. لم يعد الأمر مجرد بنايات أعلى وطرق أوسع، بل أصبح كل شيء — من إشارات المرور إلى طرق البناء — مرتبطًا بالتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي.


ومع أن هذه التغيّرات تبدو “تقنية”، فإن تأثيرها مباشر على حياتنا اليومية أكثر مما نتصوّر.


في عدد من المدن حول العالم، لم تعد الإشارات الضوئية تعمل بتوقيت ثابت؛ بل أصبحت “تفهم” حركة الشوارع عبر كاميرات وحساسات صغيرة.

فإذا ازداد عدد الدراجات أو المشاة، تُعطيهم وقتًا أطول للعبور.

وإذا كان الشارع فارغًا، تتحول الإشارة فورًا إلى الأخضر.


بهذه البساطة صارت التكنولوجيا تجعل الحركة اليومية أكثر سلاسة وأقل توترًا.


المهندس اليوم لا يبدأ من ورقة بيضاء.

هناك برامج ذكاء اصطناعي تقترح له عشرات النماذج لبناء جديد:

أيّها أفضل ضوءًا؟ أيّها أقل حرارة؟ أيّها أرخص؟ أيّها أجمل؟

هذه البرامج لا تُلغي دور المهندس ، لكنها تمنحه قدرة لم تكن متاحة قبل 20 عامًا.

بدل أن يصمم مبنى واحدًا، أصبح يختار بين عشرات الخيارات المحسوبة بدقة.


ورش البناء تغيّرت هي أيضًا فربما اعتدنا رؤية عاملين يحملون الطابوق أو يربطون حديد التسليح اليوم، يمكن أن يقوم روبوت بهذا العمل المتعب، بسرعة أعلى وبدقة أكبر.

وفي دول أخرى، تطبع “طابعة خرسانية” جدارًا كاملًا في ساعات قليلة. هذه التقنيات تقلل التكلفة، وتسرّع البناء، وتزيد الأمان في مواقع العمل.


قد يظنّ البعض أن التكنولوجيا تبتلع روح المدن القديمة، لكنها في الحقيقة تساعد على حفظها.


مثلاً:

• يمكن لمسح ليزري ثلاثي الأبعاد أن يوثّق بناية تراثية بدقة مبهرة.

• وتساعد الطائرات المسيّرة في تصوير الأزقة القديمة التي يصعب الوصول إليها.

• ويمكن للواقع الافتراضي أن يعيد بناء المواقع التي تضررت في الحروب.


بهذه الأدوات، صارت الذاكرة العمرانية أكثر قدرة على البقاء.


حياتنا اليومية أصبحت أسهل فتطبيقات النقل، خريطة الظلال، مراقبة جودة الهواء، مواقف السيارات الذكية…

كلها أمثلة على كيف تغيّر التكنولوجيا تفاصيل اليوم العادي.


في بعض المدن، يمكن للتطبيق أن يقترح لك الطريق الذي يحميك من التلوث، أو يختار لك طريقًا يمر بأماكن مظللة في أيام الصيف.

وفي مدن أخرى، تُبلغك الحاوية الذكية للقاذورات كم بقي لها لتمتلئ… لتأتي البلدية في الوقت المناسب.


ولكن… هل كل هذا جيد؟ التقدم يحمل جانبًا آخر:

كلما ازدادت التكنولوجيا في المدينة، زادت كمية البيانات التي تُسجَّل عن حركة الناس وطرقهم وعاداتهم.

وهذا يفتح نقاشًا مهمًا حول الخصوصية، وحدود الرقابة، ومن يملك “مفتاح المدينة الذكية”.


السؤال البسيط الذي يطرحه كثيرون اليوم:

هل تخدم التكنولوجيا الإنسان… أم تدير حياته؟


الخلاصة ان التكنولوجيا الحديثة — من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات — لم تعد شيئًا مستقبليًا. هي اليوم جزء طبيعي من المدن التي نعيش فيها.

هي التي تنظّم المرور، وتساعد المهندس، وتُسرّع البناء، وتحفظ التراث، وتسهّل الحياة اليومية.

التحدي الحقيقي ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي … بل في استخدامه بشكل يجعل المدينة أكثر إنسانية، لا أكثر آلية.


فالمدينة في النهاية تُبنى للناس:

للمشي، والضوء، والذاكرة، وللحياة التي تنبض بين جدرانها.


نشر في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
كيف خسرت المدينة صراعها مع الحداثة

د. علاء التميمي* *تشرين الأول ٢٠٢٥* *www.altamimialaablog.com* يتردد في تاريخ العراق سؤالٌ جوهري: كيف يمكن لمدينةٍ عريقة مثل بغداد أن تتحول من فضاءٍ للفكرة والعقل والنقاش إلى فضاء تحكمه القوة والغلب

 
 
 
التاريخ الحضري لمدينة بغداد

https://youtu.be/920DjQm7bHk قراءة موجزة للتاريخ الحضري لمدينة بغداد منذ تأسيسها عام 762م كمدينة مدوّرة مبتكرة في التخطيط العباسي، مرورًا بتحولها في القرون اللاحقة إلى مدينة مفتوحة على ضفاف دجلة، ثم إ

 
 
 
فهم طريقة سانت ليغو المعدلة في القانون الانتخابي العراقي. شرح مبسط مع مثال حسابي

د . علاء التميمي تشرين الاول ٢٠٢٥ يشكّل النظام الانتخابي حجر الزاوية في بناء أي نظام ديمقراطي. فهو الذي يحدد كيف تتحول أصوات الناس إلى مقاعد في البرلمان، وكيف يُعاد تشكيل الخريطة السياسية بعد كل دورة

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page