top of page

من ملعب الشعب إلى تورونتو … ستة عقود من الانتماء

  • قبل يومين
  • 2 دقيقة قراءة

من ملعب الشعب إلى تورونتو… ستة عقود من الانتماء

د . علاء محمود التميمي

٢٦ حزيران ٢٠٢٦


لم تكن مباراة العراق والسنغال في تورونتو مجرد مباراة بالنسبة لي، بل كانت رحلة أعادتني ستين عاماً إلى الوراء.


عدت بذاكرتي إلى عام 1966، حين كنت في الرابعة عشرة من عمري، أجلس بين آلاف العراقيين في افتتاح ملعب الشعب الدولي ببغداد. يومها لعب منتخب بغداد أمام فريق بنفيكا البرتغالي، أحد أعظم فرق العالم آنذاك، بقيادة أسطورته أوزيبيو. انتهت المباراة بخسارة منتخب بغداد بهدف واحد، لكن أحداً لم يغادر الملعب شاعراً بالهزيمة. كنا نشعر بالفخر لأن العراق كان يفتتح ملعباً سيصبح رمزاً رياضياً ووطنياً لأجيال متعاقبة.


واليوم، وبعد ستة عقود، وجدت نفسي أجلس في مدرجات تورونتو، آلاف الكيلومترات بعيداً عن بغداد، أتابع منتخب العراق في كأس العالم. تغير الزمان، وتغير المكان، وتبدلت الوجوه، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: ذلك الشعور العميق حين يرتفع العلم العراقي، ويهتف الناس باسم العراق.


كانت النتيجة هذه المرة قاسية. خمسة أهداف دون مقابل. نتيجة لا تليق بطموح العراقيين، ولا بما كانوا يحملونه من أمل وهم يتجهون إلى الملعب.


لكنني، وأنا أراقب الشوارع المؤدية إلى الملعب، شعرت أن هناك مشهداً يستحق أن يُكتب أكثر من نتيجة المباراة نفسها.


رأيت آلاف العراقيين يزحفون نحو الملعب وهم يلتفون بالعلم العراقي. رجالاً ونساءً، شباباً وأطفالاً، جمعهم وطن واحد رغم أن الحياة فرقت بينهم في قارات الأرض.


لم أسأل أحداً من أين جاء، لأن الأعلام كانت قد ألغت أسماء المدن، والهتافات كانت قد ألغت كل الفوارق. لم يكن هناك إلا اسم واحد يتردد في الشوارع والمدرجات: العراق.


في تلك اللحظة أدركت أن الوطن لا يُقاس بعدد الانتصارات الرياضية، بل بقدرته على أن يبقى حياً في قلوب أبنائه.


الهزائم جزء من الرياضة، وستأتي أيام ينتصر فيها العراق كما انتصرت أمم كثيرة بعد إخفاقات مؤلمة. أما ما لا يُشترى ولا يُصنع فهو هذا الانتماء الصادق الذي رأيته في تورونتو، والذي أعادني بذاكرتي إلى مدرجات ملعب الشعب قبل ستين عاماً.


بين المدرجين مسافة زمنية تقارب ستة عقود، ومسافة جغرافية تقارب عشرة آلاف كيلومتر، لكن الشعور كان واحداً.


في عام 1966 كنا نحلم بمستقبل العراق ونحن نهتف في ملعب الشعب.


وفي عام 2026 كنا نحمل العراق نفسه في قلوبنا ونحن نهتف له في تورونتو.


قد تخسر المنتخبات مباريات، لكن الأوطان التي تبقى حية في قلوب أبنائها لا تُهزم.


ولعل هذا هو أجمل ما خرجت به من هذه الرحلة: أن العراق لم يكن اليوم أحد طرفي مباراة كرة قدم، بل كان وطناً سار مع أبنائه في شوارع تورونتو، وارتفع فوق رؤوسهم علماً، وسكن حناجرهم نشيداً، وبقي، رغم كل شيء، أكبر من نتيجة مباراة.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين يعلو الصدى على الفهم

خاطرة الجمعة حين يعلو الصدى على الفهم د. علاء محمود التميمي حزيران ٢٠٢٦ من أخطر ما يواجه المجتمعات أن تنتشر فيها الآراء أسرع من المعرفة، وأن تصبح الكلمات قابلة للتداول قبل أن تكون قابلة للفهم. فكم من

 
 
 
كربلاء حين يتحول الجرح إلى ذاكرة

كربلاء: حين يتحوّل الجرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى شعيرة د علاء محمود التميمي حزيران ٢٠٢٦ ليست الشعائر الكبرى في حياة الأمم طقوساً تتكرر مع تعاقب السنين، بل هي ذاكرة حيّة ترفض أن تموت. فالإنسان حين يعجز

 
 
 
عندما ارتفع علم العراق

في خضم أجواء كأس العالم، وبين آلاف الأعلام والألوان والأناشيد، استوقفني مشهد العلم العراقي وهو يُرفع عالياً في الملعب، محمولاً بالأيدي لا مفروشاً على الأرض كبقية الأعلام للدول المشاركة في المونديال .

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page