مجتمعات تخاف من ان تستيقظ !
مجتمعات تخاف من ان تستيقظ !
د علاء التميمي
تشرين الاول ٢٠٢٦
في زاوية من زوايا الحياة اليومية، دار حوار خاطف بين صديقين، لكنه اختزل في ثناياه مأساة إنسانية تتكرر على مر العصور. سأل الأول: "لماذا لا يصيح ديككم؟"، فجاءه الجواب صادمًا ومحملًا بالدلالات: "اشتكى منه الجيران لأنه يوقظهم... فذبحناه!"
هذه الأحدوثة البسيطة ليست مجرد طرفة عن طائر أزعج حيًّا سكنيًّا، بل هي مرآة صقيلة تعكس فلسفة علاقة المجتمعات بالوعي؛ إنها تجسيد للصراع الأبدي بين "الديك" الذي يوقظ الضمائر، و"الجيران" الذين يفضلون الخدر على مواجهة الواقع، و"الدجاج" الذي يملأ البطون دون أن يثير إزعاجًا.
الديك: صوت الضمير وثمن اليقظة
في قاموس الرمزية التاريخية، ليس الديك مجرد طائر مبكر، بل هو رمز للمفكر الحر، والمصلح الجسور، والصحفي الأمين، وكل من يملك شجاعة الرفض ليصرخ في العتمة: "انتبهوا، لقد بزغ الفجر!". هؤلاء هم من ينفضون الغبار عن العقول، ويسعون لتحرير الإنسان من أغلال الجهل والاستبداد. لكن التاريخ يعلمنا أن لليقظة ثمنًا باهظًا؛ فكل من يحاول إيقاظ الغارقين في النوم، يجد أمامه من يتربص به لقطع رأسه، لأن صوته يعرّي زيف الواقع ويقضّ مضاجع المستريحين إلى الوهم.
الجيران: استكانة الظلام وخوف التغيير
من هم الجيران في هذه المعادلة؟ هم السواد الأعظم الذي اعتاد العتمة وأنس بالسبات. صياح الديك لا يزعجهم لأنه مجرد ضجيج عابر، بل لأنه يفرض عليهم استحقاق الاستيقاظ، ويواجههم بمسؤولياتهم المهجورة. يفضل الجيران الطمأنينة الزائفة على المواجهة المؤلمة؛ يرتعبون من فكرة التغيير ومقابلة النور، فيستسهلون قطع رأس "المُوقِظ" ليضمنوا استمرار نومهم، غافلين عن أن النوم الممتد ليس إلا موتًا بطيئًا لوعيهم.
الدجاج: وثنية الاستهلاك وإعدام العقول
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا. في واقعنا المعاصر، يُحتفى باسم "الدجاج" بينما يُغيَّب "الديك". الدجاج رمز الانقياد، والاستكانة، وتفضيل المنفعة المادية العاجلة على الكرامة والفكر. باتت المجتمعات تمجد من يملأ بطونها ويؤمن لقمة عيشها اليومية، وتتجاهل من يضيء عقولها ويرتقي بوعيها. لقد اختاروا اللحم الذي يُؤكل ويُستملك، على الصوت الذي يُحيي ويُحرر.
عبر التاريخ: ضريبة الصياح في زمن الصمت
ليست هذه المعادلة وليدة اليوم؛ فسقراط أُجبر على تجرع السم لأنه أوقظ عقول شباب أثينا، والمسيح عُذِب لأنه تحدى جمود الفريسيين، وقوافل من العلماء والمفكرين انتهى بهم المطاف في السجون أو على أعواد المشانق، لمجرّد أنهم تجرأوا على "الصياح" والإعلان عن الضوء في زوايا الصمت المطبق.
إن المجتمع الذي يذبح "ديكه" ليشتري راحة مؤقتة لـ "جيرانه"، هو مجتمع يوقع بنفسه وثيقة الارتهان للظلام الأبدي. قد ننجح في إسكات صوت الحقيقة إلى حين، وقد نملا البطون بلحم الدجاج، لكن العقول التي أُعدمت لن تعود، والأفكار التي قُمعت ستستحيل تخلفًا يطال الجميع.
المجتمعات الحية هي التي تحتفي بديوكها، وتحتمل أصواتها المزعجة، بل وتراها نعمة تستحق الصون؛ لأنها تدرك أن الاستغراق في النوم ليس سلامًا، بل هو المقدمة الأولى للضياع. فاحذروا أن تقتلوا من يوقظكم، واحذروا أكثر أن تكتفوا بمن يطعمكم !
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

تعليقات