نافي بيلاي ونوبل للسلام: مكان العدالة في عالم القوة
نافي بيلاي ونوبل للسلام: مكان العدالة في عالم القوة
د. علاء محمود التميمي
٩ تشرين الاول ٢٠٢٦
تعود جائزة نوبل للسلام إلى وصية ألفرد نوبل التي وقّعها عام ١٨٩٥، وخصص فيها جزءًا من ثروته لتكريم العمل من أجل التقارب بين الأمم، وتقليص التسلح، وتعزيز السلام. ومُنحت الجائزة للمرة الأولى عام ١٩٠١. وتتولى اختيار الفائز لجنة نوبل النرويجية، المؤلفة من خمسة أعضاء يختارهم البرلمان النرويجي؛ فهي ليست جائزة تمنحها الأمم المتحدة أو يقررها رئيس دولة. وعلى امتداد تاريخها، شمل التكريم سياسيين وناشطين ومؤسسات، تعبيرًا عن تعدد الطرق التي يمكن بها خدمة السلام.
هذا اليوم في التاسع من تشرين الاول ٢٠٢٦، أعلنت اللجنة منح الجائزة للقاضية الجنوب أفريقية نافانيثيم، المعروفة باسم «نافي بيلاي»، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. يلفت هذا الاختيار النظر إلى دور العدالة في حماية السلام، في وقت تتعرض فيه المؤسسات القانونية الدولية لضغوط متزايدة. فالقاضي الذي يوثق الجريمة، ويحدد المسؤولية عنها، ويسعى إلى منع الإفلات من العقاب، يشارك أيضًا في بناء شروط السلام واستمراره.
تكوّنت تجربة بيلاي في جنوب أفريقيا تحت نظام الفصل العنصري. وهي من أسرة ذات أصول هندية تاميلية، وعملت محامية تدافع عن ضحايا التمييز وناشطين واجهوا ذلك النظام. ثم انتقلت إلى القضاء، وعملت في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وتولت رئاستها بين عامي ١٩٩٩ و٢٠٠٣، قبل أن تصبح قاضية في المحكمة الجنائية الدولية. وشغلت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين عامي ٢٠٠٨ و٢٠١٤. هذا المسار يفسر اتساع أسباب تكريمها: خبرة طويلة في مواجهة الانتهاكات، والعمل على إخضاع مرتكبي الجرائم للمساءلة.
وبرز موقفها من غزة في أحدث مراحل هذا المسار. ففي ١٦ ايلول ٢٠٢٥، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي ترأستها تقريرًا خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. واستند التقرير إلى تحليل الأفعال والأدلة وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وحدد أربعة من الأفعال الخمسة الواردة في تعريف الجريمة: قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، واتخاذ تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة. كما تناول الأدلة المتعلقة بالقصد الخاص اللازم لإثبات الإبادة.
وعندما تحدثت بيلاي عقب إعلان فوزها، عادت إلى تقرير غزة وإلى الإشادة بما وصفه البعض بشجاعتها في تسمية ما يحدث إبادة جماعية. وسألت، بمعنى عبارتها: لماذا يحتاج قول الحقيقة إلى الشجاعة؟ يحمل السؤال دلالة تتجاوز المناسبة. حين تصبح تسمية الانتهاك وفق ما تراه جهة التحقيق في الأدلة فعلًا يعرّض صاحبه للهجوم، تظهر المسافة بين وجود القانون والقدرة على تطبيقه.
أُعلن قرار الجائزة في أوسلو، بينما تلقت بيلاي الخبر وهي في نورمبرغ بألمانيا، داخل المبنى المرتبط بمحاكمات قادة النازية بعد الحرب العالمية الثانية. أما مراسم تسليم الجائزة فمقررة في العاشر من كانون الاول .
جاء هذا الاختيار بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجدد حديثه عن استحقاقه نوبل للسلام. ففي السابع من تشرين، قبل الإعلان بيومين، أكد أنه يرى نفسه جديرًا بها، مستندًا إلى روايته عن إنهاء ثماني حروب. هذا طموح أعلنه بنفسه، وليس استنتاجًا عن نياته. غير أن ادعاء إنهاء تلك الحروب يحتاج إلى فحص كل حالة على حدة: ما طبيعة النزاع؟ وما دور الوساطة الأمريكية؟ وهل انتهى القتال فعلًا، أم تحقق توقف مؤقت؟
وقد أظهرت مراجعات صحفية أن بعض الملفات التي احتسبها ترامب لم تكن حروبًا قائمة أصلًا، وأن القتال تجدد في بعض المناطق التي أعلن تسوية نزاعاتها. وفي المقابل، يستحق أي دور فعلي في وقف إطلاق النار الاعتراف به. الإنصاف يقتضي تقدير الإنجاز المحدد بحدوده، مع التمييز بين هدنة واتفاق قابل للتنفيذ وسلام مستقر. جمع هذه الحالات تحت رقم واحد لا يقدم، بمفرده، دليلًا على إنهاء ثماني حروب.
يمكن قراءة الاختيار بيلاي بوصفه تأكيدًا لأهمية القانون والمساءلة في زمن تتقدم فيه حسابات القوة.
يمنح تكريم بيلاي مساحة أوسع لصوت الضحايا وللعمل الذي يحفظ شهاداتهم ويبحث في المسؤولية عن معاناتهم. وفي قضية غزة، تبقى الحاجة إلى حماية الناس ووقف الانتهاكات وتوثيق الجرائم قائمة، مهما اختلفت المواقف السياسية. تستطيع الجائزة أن تلفت الانتباه إلى هذه الحاجة؛ أما الوفاء بها فيتطلب عملًا من الدول والمؤسسات. فالسلام يكتسب معناه حين يشعر الإنسان أن حياته وكرامته محميتان، وأن الاعتداء عليه لن يمر بلا مساءلة.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

تعليقات