من حق الإنسان ان يتغير
سلسلة مقالات أسبوعية في الإنسان، والنضج، والعلاقات، والوقت
هذه سلسلة من خمس حلقات، تُنشر واحدة كل أسبوع، حول فكرة واحدة بسيطة قد لا ننتبهإلى ثقلها: أن من حق الإنسان أن يتغيّر.
نحن نعيش في عالم يحتفظ عنّا بصور قديمة، ثم يطالبنا أن نبقى أوفياء لها. يحبّنا على ما كنّا، لاعلى ما صرنا. فإذا تغيّرنا، قيل لنا: لم تعد كما كنت. وإذا لم نتغيّر، قيل لنا: لم تتعلّم شيئًا منالحياة. وكأن المطلوب منا أن نتغيّر دون أن يتغير شيء فينا، وأن نبقى كما نحن دون أن نبقى.
في هذه السلسلة، لا نقدّم أجوبة جاهزة، ولا قواعد صارمة، ولا وصايا. إنما نقف عند أسئلةيعرفها كل من جاوز سنوات قليلة في هذه الحياة:
· كيف يتغيّر الإنسان مع العمر، ولماذا يُلام على تغيّره في الكبر وقد لُوم على ثباته في الشباب؟
· لماذا تصمد بعض العلاقات وتنكسر أخرى، لا لأن أحدًا أخطأ، بل لأن كلًّا سار في طريقه؟
· ما الفرق بين أن يثبت الإنسان على مبدأ وأن يجمُد على رأي؟
· ولماذا يخاف كثيرون من كلمة «كنت مخطئًا» أكثر مما يخافون من الخطأ نفسه؟
خمس حلقات، كل واحدة تقف عند محور واحد، وتُغلق على نفسها، ثم تفتح نافذة صغيرة علىالتي تليها. يمكنك أن تقرأها متسلسلة، ويمكنك أن تقرأ كل حلقة وحدها. لكنها في النهايةتحكي شيئًا واحدًا: أن الإنسان الذي لا يسمح لنفسه أن يتغيّر، لا يحمي نفسه، بل يحبسها.
لن نكتب عن التغيير من الخارج، بل من الداخل. من مكاننا الذي نعرفه: سنوات مضت، وآراءتبدّلت، وعلاقات كبرت أو انكسرت، وأخطاء اعترفنا بها متأخرين، وقيم بقيت معنا كالبوصلة. لأن التغيير الحقيقي ليس أن تصبح غيرك، بل أن تصبح أكثر صدقًا مع نفسك.
فإن كنت ممن يحمل عنك الآخرون صورة قديمة، وتشعر أنك أكبر منها، فهذه السلسلة لك. وإنكنت ممن يخاف أن يتغيّر، فهي لك أيضًا. وإن كنت ممن تغيّر ثم لام نفسه، فستجد بين السطورمن يقول لك: ما تغيّرت عن نفسك، بل كبرت. وما الوفاء أن تبقى كما كنت، بل أن تبقى أوفياءلأفضل ما تستطيع أن تصبح عليه.
وهذه هي الحلقة الأولى.
من حقّ الإنسان أن يتغيّر
الصورة التي يحملها الآخرون عنّا
د.علاء التميمي
ايلول ٢٠٢٦
من أكثر القيود التي لا ننتبه إليها في حياتنا، أن الآخرين لا يتعاملون معنا دائمًا كما نحن اليوم،بل كما عرفونا بالأمس. يحتفظ كلّ واحد بصورة لنا في ذاكرته، ثم ينتظر ـ وربما يطالب ـ أننبقى أوفياء لتلك الصورة مهما تغيّرت السنوات والتجارب والمعرفة.
فإذا تغيّر الإنسان، قيل له: لم تعد كما كنت.
وإذا لم يتغيّر، قيل له: لم تتعلّم شيئًا من الحياة.
إذا عبّر عن رأيه، قيل إنه متشبث برأيه، وإذا صمت اتُّهم بأنه لا يملك موقفًا. وإذا اقترب منالناس كثيرًا لامه بعضهم، وإذا ابتعد حفاظًا على خصوصيته وصفه آخرون بالتعالي. وكأنالإنسان مطالب بمهمة مستحيلة: أن يعيش حياته بطريقة ترضي الصور المختلفة التي يحملهاالآخرون عنه.
والحقيقة أن إرضاء الجميع ليس فقط أمرًا مستحيلًا، بل ربما ليس هدفًا يستحق أن نضعأعمارنا في سبيله.
لكن ذلك لا يعني أن نغلق آذاننا عن النقد، أو أن نرفع شعار: «لا يهمني ما يقوله أحد». فربماكان في كلمة ناقد صادق ما يكشف لنا عيبًا لم نره في أنفسنا. والنضج لا يكون برفض النقد، كمالا يكون بالخضوع له؛ وإنما بالقدرة على تمييز ما ينبغي أن نتعلم منه عما ينبغي أن نتركه يمر.
هناك نقد يصدر عن محبة وخبرة وحرص، وهذا يستحق أن نتوقف عنده. وهناك نقد لا يتعلقبما فعلناه بقدر ما يتعلق بأننا لم نعد الشخص الذي يريدنا الآخر أن نكونه.
وأحيانًا لا يزعج بعض الناس تغيّرك لأنك أصبحت أسوأ، بل لأنك خرجت من المكان الذي اعتادواأن يضعوك فيه.
فالإنسان حين يتعلم، ويسافر، ويقرأ، ويمر بالنجاح والفشل، ويفقد أشخاصًا ويعرف آخرين، لايمكن أن يبقى كما كان قبل عشرين أو ثلاثين سنة. التجربة التي لا تغيّر فينا شيئًا تجربة لمنفهمها جيدًا.
ولذلك فإن تغيير الرأي ليس دائمًا تناقضًا. قد يكون دليلًا على أن معرفة جديدة أضيفت إلىمعرفة قديمة. والإنسان الذي لا يسمح للمعلومات والسنوات والتجارب بأن تعدّل بعض أفكاره،قد يكون أكثر وفاءً لماضيه منه للحقيقة.
لكن هناك فارقًا مهمًا بين أن نغيّر أفكارنا وأن نغيّر مبادئنا. قد تتغير الوسائل، وتتغير المواقفوالتقديرات، وقد نعيد النظر في أشخاص وأحداث كنا نراها بطريقة مختلفة، لكن القيمالأساسية ـ الصدق، والكرامة، والعدل، واحترام الإنسان ـ ينبغي أن تكون البوصلة التي نقيس بهاهذا التغيير.
ومع العمر يصبح الأمر أكثر وضوحًا. فالإنسان لا يحتاج في كل مرحلة من حياته إلى إثبات نفسهأمام الجميع. وربما تكون إحدى هدايا النضج أن يدرك المرء أن قيمته لا تزيد بتصفيق الناسولا تنقص باعتراضهم.
ومن حق الإنسان أيضًا أن يبتعد عن علاقة لم تعد تشبهه، وأن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يقول«لا» بعد سنوات كان يقول فيها «نعم»، وأن يتوقف عن تفسير كل قرار يتخذه للآخرين.
ليس كل ابتعاد خصومة، وليس كل صمت ضعفًا، وليس كل تغيير تنازلًا.
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الثقة بالنفس إلى غرور يجعلنا نعتقد أننا دائمًا على صواب. فالإنسان الواثق حقًا يستطيع أن يقول: كنت مخطئًا. ولا يشعر أن الاعتراف بالخطأ ينتقص منه،لأن كرامته لا تقوم على ادعاء العصمة.
ربما تكون الحكمة إذن في معادلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:
أن نصغي إلى الآخرين بما يكفي لكي نتعلّم، وألا نصغي إليهم إلى الحد الذي نفقد فيه أنفسنا.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يعيش أسيرًا للصورة التي رسمها الآخرون له، ولا للصورة التيرسمها هو لنفسه في مرحلة سابقة من حياته.
من حقنا أن ننضج.
ومن حقنا أن نراجع.
ومن حقنا أن نغيّر رأيًا حين نكتشف ما هو أصوب منه.
ومن حقنا، قبل ذلك كله، أن نكون اليوم أكثر وعيًا مما كنا عليه بالأمس.
وربما كان أعظم ما تتعلمه من السنين أنك لا تحتاج أن تكون كما كنت لتظل أمينًا. ولستبحاجة أن تشرح للجميع كيف تغيّرت، لأن التغيير ليس تهمة تُدفَع عنك، بل ثمن طبيعي لكلمن كبر.
فمن عرفك أمس، أحبَّ فيك شخصًا كان لك زمان ومكان. ومن يعرفك اليوم، أحبَّ فيك ماصرت إليه. ومن أرادك أن تبقى كما كنت، فما أحبَّك، بل أحبَّ أن يبقى على يقينه بك. ومن أحبكحقًا، سينتظرك عند باب جديد، لا عند الباب الذي عرفك عليه.
ومع ذلك، لا تخجل أن تعود، ولا تخجل أن تعتذر، ولا تخجل أن تقول لمن أحبك: لقد تغيّرت،لكني ما تغيّرت عنك، وإنما تغيّرت لأصبح أهلًا لك، أكثر مما كنت.
فليس الوفاء أن تبقى كما كنت، بل أن تبقى أوفياء لأفضل ما نستطيع أن نصبح عليه.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
---


تعليقات