top of page

الجمهور العراقي بين برشلونة وريال مدريد من المنافسة الرياضية إلى ثقافة الانتماء والتعصب وسلوك الجماعة

قبل 16 ساعة
18 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: قبل 5 ساعات



دراسة نظرية تحليلية في الهوية الاجتماعية والتحولات التاريخية وثقافة الاختلاف في المجتمع العراقي


الملخص


تتناول هذه الدراسة ظاهرة انتشار تشجيع ناديي برشلونة وريال مدريد بين العراقيين، وما يرافقها من ارتباط عاطفي وجماعي قد يتحول، في بعض الحالات، من منافسة رياضية إلى خصومة اجتماعية. وتنطلق من سؤال يتجاوز كرة القدم: كيف يكتسب الانتماء إلى نادٍ أجنبي بعيد جغرافيًا كل هذه الأهمية في حياة بعض العراقيين، وما الذي تكشفه هذه الظاهرة عن علاقة الفرد بالجماعة وثقافة الاختلاف؟

وتبحث الدراسة الموضوع من خلال نظريات الهوية الاجتماعية وعلم اجتماع الرياضة، والتاريخ السياسي والاجتماعي للعراق، وتأثير الإعلام والمنصات الرقمية، والاقتصاد الرياضي، ودور المقاهي والفضاءات الحضرية في تشكيل العلاقات بين السكان. كما تناقش خصوصية التجربة العراقية خلال عقود الحروب والانقسامات، دون افتراض أنها أنتجت التعصب الرياضي بصورة مباشرة.

وتقوم الدراسة على منهج نظري تحليلي يستند إلى الأدبيات العلمية والمصادر الصحفية والوثائق المنشورة. وهي ليست دراسة ميدانية، ولا تقدم نتائج استبيانات أو مقابلات جديدة. وتهدف إلى فهم العوامل التي تجعل الانتماء الرياضي مصدرًا للتواصل والفرح أحيانًا، ومجالًا للاستقطاب والخصومة أحيانًا أخرى، وصولًا إلى اقتراح معالجات اجتماعية وثقافية وحضرية تعزز احترام الاختلاف.

أولًا: من مباراة أوروبية إلى قضية اجتماعية عراقية

في الثالث من أيار 2011، شهد أحد مقاهي مدينة الناصرية خلافًا بين شابين عراقيين، أحدهما يشجع ريال مدريد والآخر برشلونة، أثناء متابعتهما مباراة بين الفريقين في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.

بدأ الخلاف حول قرار تحكيمي، ثم تحول إلى مشاجرة لم تنتهِ عند حدود الشخصين المعنيين. فقد تدخل أفراد من عشيرتيهما، وانتهى الأمر بعقد جلسة عشائرية للتسوية، وبحسب تقرير لوكالة فرانس برس نُشر في الصحافة العربية يوم 24 أيار، بلغت التسوية المالية مليوني دينار عراقي.

وفي أيار 2025، نقلت وسائل إعلام عراقية عن مصادر أمنية حادثة أخرى في قضاء الصادق شمال محافظة البصرة، بدأت بمشاجرة مرتبطة بمباراة الكلاسيكو، وانتهت بمقتل شاب واعتقال مشتبه به. وتبقى تفاصيل المسؤولية الجنائية في حدود الروايات الأمنية المنشورة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها أحكامًا قضائية نهائية.

تضعنا هاتان الواقعتان أمام مفارقة تستحق التأمل: كيف ينتقل خلاف حول مباراة تقام في إسبانيا، على بعد آلاف الكيلومترات من العراق، إلى نزاع اجتماعي أو حادثة عنف؟ ولماذا يمكن أن يتحول الدفاع عن فريق كرة قدم إلى دفاع عن الكرامة الشخصية أو مكانة الجماعة؟

لا تعني هذه الحوادث أن جمهور الناديين في العراق يتصرف بهذه الطريقة؛ فلا تتوافر لدينا بيانات تسمح بتقدير نسبة السلوك العدائي بين المشجعين. لكن الحالات المنشورة تكشف إمكان تجاوز المنافسة حدودها الرياضية، وتدفعنا إلى البحث عن العوامل التي تجعل ذلك ممكنًا.

ومن اهتمامي بشؤون المدن وتخطيطها، أرى أن المدينة لا تتكون من مبانٍ وطرق ومرافق فحسب، بل من حياة سكانها وعلاقاتهم الاجتماعية. فالمقهى والشارع والساحة ليست مجرد أماكن للقاء، بل فضاءات تتجلى فيها ثقافة المجتمع وطريقة تعامله مع الاختلاف.

ومن هذا المنطلق، وجدت في التنافس بين برشلونة وريال مدريد مدخلًا لفهم جانب من سلوك الجماعة في المدن العراقية، وعلاقة الفرد بمن يشاركونه الانتماء أو يختلفون معه.

ليست الغاية البحث عن خلل خاص في الشخصية العراقية، ولا إدانة الشغف الرياضي. فالمنافسة بين الجماعات جزء من الحياة الإنسانية، وقد تكون مصدرًا للمتعة والتعاون كما قد تصبح مجالًا للصراع.

والسؤال الذي تقترحه هذه الدراسة هو: ما الظروف التي تحول الانتماء الرياضي من رابطة اجتماعية إيجابية إلى خصومة، وكيف تتفاعل تلك الظروف مع التجربة التاريخية والاجتماعية العراقية؟

ثانيًا: كيف يتحول تشجيع النادي إلى هوية اجتماعية؟

يحتاج الإنسان إلى الانتماء، ويسعى إلى الارتباط بجماعات تمنحه الشعور بالمشاركة والاعتراف. وقد تكون الأسرة والمهنة والوطن والمؤسسات والجماعات الثقافية مصادر لهذا الانتماء، كما يمكن أن يصبح النادي الرياضي أحدها.

وتساعدنا نظرية الهوية الاجتماعية، المرتبطة بأعمال هنري تاجفيل وجون تيرنر، على فهم الكيفية التي يستمد بها الفرد جانبًا من تعريفه لنفسه من الجماعات التي ينتمي إليها.

فعندما يختار الإنسان تشجيع برشلونة أو ريال مدريد، قد يبدأ الأمر بالإعجاب بلاعب معين أو بطريقة لعب الفريق. لكنه مع الوقت يكوّن علاقة أعمق بالنادي، ترتبط بالذكريات والانتصارات والخيبات والشعارات والألوان والصداقات التي نشأت بسبب هذا الاهتمام المشترك.

ولهذا نسمع مشجعًا يعيش في بغداد أو البصرة يقول «نحن فزنا» عند انتصار فريقه الإسباني، مع أنه لم يشارك في المباراة، وربما لم يزر المدينة التي ينتمي إليها النادي يومًا.

فالفوز هنا ليس مجرد نتيجة رياضية، بل تجربة رمزية تمنحه شعورًا بأنه جزء من جماعة حققت نجاحًا.

وقد تناولت دراسات نيلا برانسكوم ودانيال وان العلاقة بين الانتماء إلى الفريق الرياضي والشعور بالهوية الاجتماعية وتقدير الذات. وتفيد هذه الأدبيات في تفسير لماذا يصبح النادي، بالنسبة إلى بعض المشجعين، أكثر من مؤسسة رياضية بعيدة.

لكن الارتباط العاطفي القوي لا يعني بالضرورة التعصب العدائي.

فالمشجع قد يفرح بانتصار فريقه ويحزن لخسارته، ويجادل دفاعًا عنه، دون أن يفقد احترامه للمنافس. ويبدأ التعصب عندما يتحول هذا الولاء إلى رفض للآخر وإهانته، أو عندما يُنظر إلى خسارة الفريق باعتبارها إهانة لكرامة المشجع نفسه.

وهنا يبرز الفرق بين الانتماء إلى الجماعة والعداء للجماعة الأخرى.

فالإنسان لا يحتاج إلى كراهية الآخرين كي يثبت حبه لمن ينتمي إليهم. لكن بعض البيئات الاجتماعية تجعل المبالغة في الخصومة وسيلة لإظهار الولاء، فيتصرف الفرد أحيانًا وفق ما يعتقد أن جماعته تتوقعه منه، أكثر مما يتصرف وفق قناعته الشخصية.

وهذا يفتح أمامنا بابًا مهمًا لفهم سلوك الجماعة.

ثالثًا: سلوك الفرد حين يصبح جزءًا من جماعة

قد يكون الإنسان هادئًا ومتسامحًا في حياته اليومية، لكنه يصبح أكثر حدة عندما يشعر بأنه يواجه، مع جماعته، جماعة منافسة.

ولا يعود ذلك بالضرورة إلى فقدانه القدرة على التفكير الفردي، بل إلى تغير المعايير الاجتماعية التي يعتقد أنه مطالب بالالتزام بها.

ففي بعض المجموعات، يكون احترام المنافس دليلًا على النضج والثقة بالنفس. وفي مجموعات أخرى قد ينظر بعض الأعضاء إلى الاعتدال باعتباره ضعفًا في الولاء، بينما يحصل الأكثر استفزازًا على الاهتمام والتقدير.

وهنا لا يتحدد سلوك الفرد بمشاعره تجاه الفريق وحدها، بل أيضًا بعلاقته بالأصدقاء والمحيطين به، ورغبته في الاحتفاظ بمكانته داخل المجموعة.

ولا ينبغي أن نتصور أن الجماعة تدفع دائمًا إلى السلوك السلبي. فهي قادرة أيضًا على تشجيع التعاون والانضباط والعمل التطوعي، بحسب القواعد والقيم التي تحكمها.

ويمكن أن نرى في روابط المشجعين أمثلة على الوجهين. فقد تتحول المنافسة داخل بعضها إلى ممارسات استفزازية، بينما تنظم روابط أخرى أنشطة رياضية واجتماعية وخيرية تتجاوز متابعة المباريات.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في العراق، حيث تؤدي الروابط العائلية والعشائرية والمهنية والاجتماعية أدوارًا متعددة في الحياة العامة.

فحادثة الناصرية مثلًا تكشف أن خلافًا بدأ بين فردين أمكن أن ينتقل إلى مستوى الجماعة. لكن علينا الانتباه إلى أن تدخل وجهاء العشيرتين كان، بحسب الخبر المنشور، بهدف التسوية، وليس دليلًا على أن العشيرة كانت سبب النزاع.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الجماعات التقليدية قد تكون أدوات للوساطة وحل النزاعات، كما قد تتداخل أحيانًا في اتساع نطاق الخلاف، بحسب ظروف كل حالة.

والنتيجة التي يمكن استخلاصها ليست أن العراقي أكثر ميلًا إلى العنف من غيره، وإنما أن العلاقة بين الفرد والجماعة قد تمنح بعض النزاعات الصغيرة أبعادًا اجتماعية أكبر من موضوعها الأصلي.

رابعًا: لماذا برشلونة وريال مدريد؟

لا يمكن فهم الشعبية الواسعة للناديين في العراق من خلال الظروف العراقية وحدها. فريال مدريد وبرشلونة يتمتعان بجمهور عالمي، ويستقطبان المشجعين في بلدان تختلف في تاريخها وثقافتها وظروفها الاقتصادية والسياسية.

وقد تحول الناديان خلال العقود الأخيرة إلى مؤسستين رياضيتين وتجاريتين وإعلاميتين عالميتين، تمتلكان تاريخًا طويلًا من الإنجازات وقدرة كبيرة على صناعة النجومية وتسويقها.

وكانت المنافسة بين ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو من أبرز العوامل التي جذبت اهتمام أجيال جديدة من المشجعين، وجعلت مباريات الكلاسيكو أحداثًا يتابعها جمهور واسع في أنحاء العالم.

لكن الأندية لا تبيع المباريات وحدها، بل تقدم لجمهورها تاريخًا ورموزًا وقصصًا وذكريات وشعورًا بالاستمرار.

فالمشجع الذي بدأ بالإعجاب بلاعب معين قد يبقى مرتبطًا بالنادي بعد رحيل ذلك اللاعب، ثم ينقل هذا الانتماء إلى أبنائه وأصدقائه.

وللمنافسة بين برشلونة وريال مدريد خلفية ثقافية وسياسية إسبانية معقدة، تتصل بالعلاقة بين العاصمة مدريد وإقليم كتالونيا، وبالتاريخ السياسي الإسباني خلال القرن العشرين.

وقد ارتبط برشلونة في مراحل مختلفة بالتعبير عن الهوية الكتالونية، في حين ارتبط ريال مدريد بصورة العاصمة ومكانتها السياسية والرياضية.

غير أن تصوير الناديين بوصف أحدهما ممثلًا دائمًا للسلطة والآخر ممثلًا دائمًا للمقاومة لا يعكس التعقيد التاريخي للعلاقة بينهما وبين المؤسسات السياسية الإسبانية.

والسؤال الذي يهمنا هنا هو: هل انتقلت هذه الخلفيات السياسية إلى العراق مع التشجيع، أم أن العراقيين اختاروا الناديين لأسباب رياضية واجتماعية ثم تبنوا بعض الروايات التاريخية لاحقًا؟

من المرجح أن النجومية والإنجازات وتأثير الأسرة والأصدقاء والإعلام كانت عوامل مهمة في اختيار النادي لدى كثيرين. لكن لا تتوافر لدينا بيانات عراقية ممثلة تسمح بترتيب هذه العوامل بحسب قوتها.

وهكذا تصبح المنافسة بين الناديين مثالًا على العولمة الثقافية: ظاهرة تنشأ في مجتمع معين، ثم تنتقل إلى مجتمعات أخرى، حيث يعاد تشكيل معانيها من خلال العلاقات المحلية.

خامسًا: العراق وتجربة نصف قرن من الحروب والتحولات

هنا نصل إلى أحد الجوانب الأكثر أهمية في هذه الدراسة.

منذ عام 1980، عاش المجتمع العراقي سلسلة طويلة من الحروب والأزمات والتحولات السياسية والاجتماعية: الحرب العراقية الإيرانية، وحرب عام 1991، والعقوبات الاقتصادية خلال التسعينيات، ثم الغزو الأمريكي عام 2003 وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة، وتصاعد العنف الطائفي، والحرب ضد تنظيم داعش.

لم تكن هذه الأحداث مجرد وقائع سياسية وعسكرية، بل تجارب أثرت في حياة الناس وعلاقاتهم اليومية وشعورهم بالأمان وثقتهم بالمؤسسات وبالآخرين.

لكن لا يصح التعامل مع هذه المراحل باعتبارها تجربة واحدة متجانسة. فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية مختلفة عن سنوات العقوبات الاقتصادية، كما اختلفت تجربة العنف الطائفي بعد عام 2003 عن تجربة الأجيال التي نشأت في عصر الإنترنت.

ولهذا يمكن أن تختلف آثار هذه التحولات بين الأفراد والأجيال والمدن والبيئات الاجتماعية.

والسؤال الذي يستحق الدراسة هو: هل أثرت عقود الصراع وعدم الاستقرار في طريقة التعبير عن الاختلاف والانتماء لدى بعض العراقيين، حتى عندما يكون موضوع المنافسة بعيدًا عن السياسة؟

ينبغي التمييز هنا بين أمرين.

الأول أن التاريخ السياسي والاجتماعي يؤثر في حياة المجتمعات وثقافتها وعلاقاتها الداخلية، وهذه قضية تدعمها الأدبيات التاريخية والاجتماعية.

أما الثاني فهو الادعاء بأن تلك التجارب أنتجت التعصب الرياضي، وهذا لا يمكن إثباته بمجرد التشابه بين صور الاصطفاف الاجتماعي والسياسي والرياضي.

فالتعصب الكروي موجود في مجتمعات لم تمر بالتجربة العراقية، كما أن كثيرًا من العراقيين الذين عاشوا الحروب والانقسامات يظهرون قدرة كبيرة على التعايش واحترام الاختلاف.

وتفيدنا هنا أعمال الباحث فنار حداد بشأن الهويات الطائفية في العراق والعالم العربي. فهي تساعد على النظر إلى الانتماءات باعتبارها ظواهر تتأثر بالسياقات التاريخية والسياسية، ولا تبقى بالقوة نفسها في جميع الظروف.

لكن الاستفادة من هذه المقاربة لا تعني مساواة المنافسة الرياضية بالصراع الطائفي. فلكل منهما تاريخه وأسبابه ونتائجه المختلفة.

والأدق أن ننظر إلى الحروب والانقسامات بوصفها جزءًا من البيئة التاريخية التي تشكلت فيها العلاقات الاجتماعية، دون اعتبارها تفسيرًا شاملًا لكل ظاهرة في العراق.

ولعل الأهم أن التجارب القاسية لا تقود الجميع إلى النتيجة نفسها. فقد تجعل بعض الناس أكثر حذرًا وتصلبًا، بينما قد تدفع آخرين إلى إدراك كلفة الصراع وتقدير قيمة التسامح.

وهذا يقودنا إلى السؤال عن الشخصية العراقية وثقافة الاختلاف.

سادسًا: الشخصية العراقية وثقافة السلطة والاختلاف

كثيرًا ما نسمع أوصافًا للعراقي بأنه حاد في آرائه، سريع الانفعال، شديد الدخول في الجدل، وربما يحول اختلاف الرأي إلى مسألة شخصية.

وقد تستند هذه الأوصاف إلى تجارب ومشاهدات اجتماعية، لكنها لا تكفي لإثبات وجود صفات نفسية ثابتة لدى شعب كامل.

فالمجتمع العراقي متنوع، وتختلف فيه الأجيال والبيئات الثقافية والاقتصادية والتعليمية. كما أن الفرد نفسه قد يكون متسامحًا في موقف، ومتصلبًا في موقف آخر.

ومن الأفضل أن نطرح السؤال بصورة مختلفة: ما الظروف الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل بعض الأفراد يتعاملون مع اختلاف الرأي باعتباره تهديدًا لمكانتهم أو كرامتهم؟

ترتبط الإجابة جزئيًا بطبيعة التربية وبالقيم التي تحكم العلاقات الاجتماعية، وبالطريقة التي تنظم بها المؤسسات المنافسة والخلاف.

فعندما تكون القواعد المشتركة واضحة وتحظى بالاحترام، يمكن أن تتحول المنافسة إلى ممارسة طبيعية لا تهدد العلاقات الشخصية.

أما عندما يصبح الولاء للأشخاص أو الجماعات أهم من الالتزام بالقواعد، أو عندما يُنظر إلى التراجع عن الرأي باعتباره ضعفًا، فقد يتحول النقاش إلى مواجهة يبحث فيها كل طرف عن الانتصار.

ولا تقتصر هذه المشكلة على الرياضة، فقد تظهر في السياسة والمؤسسات المهنية والنقاشات الفكرية والعلاقات الاجتماعية.

ويمكن النظر إليها أيضًا من زاوية التاريخ الطويل للعلاقة بين المجتمع والسلطة.

فالتاريخ العربي والإسلامي شهد أشكالًا متعددة من الاصطفاف حول قوى سياسية وشخصيات وجماعات متنافسة، لكنه شهد كذلك تجارب واسعة في التعدد الفكري والتعايش والتبادل الثقافي.

ولذلك سيكون من الخطأ اعتبار صراعات الماضي دليلًا على ميل ثابت لدى العراقيين أو العرب إلى التعصب.

الأهم هو فهم أثر الثقافة السياسية المعاصرة والتربية والمؤسسات في تشكيل علاقة الإنسان بالاختلاف.

وهنا يصبح السؤال ليس من يملك الرأي الصحيح فقط، بل كيف نتعامل مع من نعتقد أنه مخطئ؟ وهل نعترف بحقه في الاختلاف، أم نرى في اختلافه تحديًا ينبغي مواجهته؟

سابعًا: المقهى والمدينة بوصفهما فضاءين للتفاعل الاجتماعي

للمقهى مكانة خاصة في الحياة الاجتماعية العراقية. فهو ليس مجرد مكان لتناول الشاي أو القهوة، بل مساحة للقاء وتبادل الأخبار والآراء وتكوين العلاقات.

وفي فترات مختلفة، أدى المقهى دورًا في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية للمدينة، وجمع أشخاصًا من خلفيات متعددة خارج نطاق الأسرة والعمل.

ومع انتشار القنوات الرياضية والشاشات الكبيرة، اكتسبت المقاهي وظيفة إضافية، إذ أصبحت أماكن للمشاهدة الجماعية والاحتفال بالمباريات.

وتمنح هذه التجربة كرة القدم بعدًا اجتماعيًا لا توفره المشاهدة الفردية بالدرجة نفسها. فالمشجع يتفاعل مع الآخرين، ويشاركهم الفرح والخيبة والمزاح والجدل.

وقد تصبح المباراة مناسبة لتعزيز الصداقات، بل لتكوين علاقات بين أشخاص لم يسبق لهم التعارف.

لكن المكان نفسه قد يتحول إلى مصدر توتر عندما تتجاوز السخرية حدود المزاح، ويصبح إثبات الولاء مرتبطًا بإهانة المنافس.

ومن منظور التخطيط الحضري، تكشف هذه الظاهرة أهمية النظر إلى المدينة باعتبارها فضاءً اجتماعيًا، وليس مجرد تكوين عمراني.

فالشارع والساحة والمقهى والحديقة والمركز الرياضي أماكن تتيح للسكان التفاعل، ويمكن أن تسهم في بناء الثقة والتواصل بينهم.

لكن إنشاء هذه الأماكن لا يؤدي تلقائيًا إلى التسامح؛ فهي قد تحتضن التعاون والخلاف معًا. ولذلك تكتسب طريقة الإدارة، ووضوح القواعد، وإتاحة المشاركة لمختلف الفئات، أهمية لا تقل عن التصميم المادي.

وهذا جانب أساسي من الحياة الحضرية: فالمدينة الناجحة ليست التي توفر المباني والمرافق وحدها، بل التي تتيح لسكانها فرصًا للقاء والتواصل والاختلاف ضمن علاقات تحترم كرامتهم وحقوقهم.

وفي هذا السياق، يمكن أن تكون المقاهي والمراكز الرياضية والفعاليات الجماعية أدوات لتعزيز العلاقات الاجتماعية، لا مجرد منشآت خدمية أو تجارية.

ثامنًا: الإعلام الرقمي وصناعة الخصومة

إذا كانت القنوات الفضائية قد أسهمت في نقل كرة القدم الأوروبية إلى البيوت والمقاهي العراقية، فإن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت طبيعة العلاقة بين المشجع والنادي بصورة أعمق.

فلم تعد المنافسة مرتبطة بموعد المباراة وحده، بل أصبحت مستمرة طوال الأسبوع عبر الأخبار والمقاطع المصورة والتعليقات والصور الساخرة والمقارنات بين اللاعبين.

ولم يعد المشجع متلقيًا للمحتوى الإعلامي فحسب، بل أصبح مشاركًا في إنتاجه ونشره.

وهكذا انتقل جانب كبير من المنافسة من الملعب والمقهى إلى الفضاء الرقمي، حيث تتشكل مجموعات من المشجعين تتبادل التعليقات والآراء والانفعالات بصورة مستمرة.

وتعمل بعض المنصات الرقمية وفق آليات تمنح المحتوى المثير للتفاعل انتشارًا واسعًا، وقد تكون السخرية والاستفزاز أكثر قدرة على اجتذاب التعليقات من التحليل الهادئ.

لكن هذا لا يعني أن التكنولوجيا تخلق التعصب من العدم. فهي قد تضخم اتجاهات قائمة، كما قد توفر فرصًا للحوار والتواصل ونشر المحتوى الرياضي المعتدل.

وقد تناولت دراسة نشرها هيباي لوبيز غونزاليس وفريدريك غيريرو سولي وريتشارد هاينز عام 2014 كيفية صناعة خطاب الصراع في التغطية الإعلامية لمباريات برشلونة وريال مدريد.

وتساعدنا هذه الأدبيات على فهم أن المنافسة الرياضية نفسها، وطرق تقديمها إعلاميًا، يمكن أن تنتج روايات قوية عن الصراع دون الحاجة إلى إرجاعها كلها إلى أسباب سياسية أو تاريخية.

ويضاف إلى ذلك دور بعض المؤثرين وصناع المحتوى الذين يستفيدون من حدة المنافسة في جذب المتابعين وزيادة المشاهدات.

وهنا تدخل الخصومة في اقتصاد الانتباه، حيث يصبح التفاعل الرقمي قيمة اقتصادية، وقد تتحول المبالغة في الاستفزاز إلى وسيلة للحصول عليه.

وقد يكون تأثير الإعلام الرقمي لدى بعض الأجيال الجديدة أقوى من تأثير الخلفيات التاريخية والسياسية التي عاشتها الأجيال السابقة.

لكن تحديد قوة هذه العوامل يتطلب بيانات لا توفرها هذه الدراسة النظرية.

تاسعًا: الاقتصاد السياسي لكرة القدم والانتماء إلى النادي العالمي

لم تعد كرة القدم العالمية مجرد منافسة رياضية بين الأندية، بل أصبحت صناعة اقتصادية تشمل حقوق البث والرعاية والإعلانات والمنتجات التجارية والمحتوى الرقمي.

ويشكل برشلونة وريال مدريد مثالين واضحين على تحول النادي الرياضي إلى علامة تجارية عالمية، ترتبط بالنجوم والإنجازات والرموز والمنتجات الإعلامية.

ويشارك المشجع العراقي في هذه الصناعة، شأنه شأن مشجعين في دول أخرى، من خلال متابعة المباريات والتفاعل مع المحتوى وربما شراء المنتجات المرتبطة بالنادي.

ولا يعني ذلك أن عاطفة المشجع مجرد نتيجة للتسويق التجاري، فالعلاقة بين الانتماء والاستهلاك أكثر تعقيدًا. إذ تستفيد المؤسسات من مشاعر الجمهور، كما يمكن للتسويق أن يعمق هذه المشاعر ويمنحها رموزًا إضافية.

وفي المقابل، تواجه الأندية العراقية تحديات تتعلق بالإدارة والتمويل والبنية التحتية والتسويق وتجربة المشاهدة.

وهذه الفروق في الإمكانات تجعل المنافسة على اهتمام الجمهور غير متكافئة بين الأندية المحلية والمؤسسات الأوروبية الكبرى.

لكن لا يجوز أن نستنتج من ذلك أن العراقي يفضل الأجنبي على الوطني، أو أن تشجيع نادي أوروبي يأتي بالضرورة على حساب النادي المحلي.

فقد يكون الفرد مشجعًا للزوراء أو القوة الجوية أو الشرطة، وفي الوقت نفسه مرتبطًا ببرشلونة أو ريال مدريد.

كما لا تتوافر لدينا بيانات اقتصادية كافية للقول إن تشجيع الناديين في العراق يمثل شكلًا مثبتًا من التبعية الاقتصادية.

والأدق أن نعتبر القوة الإعلامية والتجارية للأندية العالمية أحد العوامل التي تساعد على انتشارها، وأن ننظر إلى تطوير الرياضة المحلية بوصفه قضية تتعلق بجودة المؤسسات والمسابقات وفرص المشاركة، لا بمواجهة ولاء الجمهور للأندية الأجنبية.

عاشرًا: الحاجة إلى الفرح والانتماء إلى النجاح

من الجوانب التي تستحق التأمل أن الانتماء إلى فريق عالمي ناجح قد يمنح المشجع شعورًا بالمشاركة في إنجاز جماعي، رغم أنه بعيد عن المكان الذي تحقق فيه ذلك الإنجاز.

وتشير بعض الأدبيات النفسية إلى أن الانتماء الرياضي قد يعزز الشعور بالتواصل الاجتماعي وتقدير الذات، وقد يؤدي وظيفة ترفيهية تساعد الفرد على الابتعاد مؤقتًا عن ضغوط الحياة اليومية.

وقد تناولت دراسة أجراها سايب فرحان الغانيدة وليندا غود، نُشرت عام 2015، دوافع تشجيع الأندية الإسبانية لدى عينة من المشجعين الأردنيين.

وتفيد هذه الدراسة في طرح احتمال أن يكون التشجيع لدى بعض الأفراد وسيلة للمتعة والتنفيس الاجتماعي، لكنها لا تسمح بتعميم نتائجها على العراق.

وفي مجتمع عاش عقودًا من الأزمات، قد تصبح المناسبات التي توفر الفرح الجماعي ذات أهمية خاصة. لكن ذلك لا يعني أن العراقي يشجع برشلونة أو ريال مدريد تعويضًا عن غياب النجاح الوطني.

فالعراقيون يمتلكون مصادر متعددة للاعتزاز ببلدهم، وقد قدم المنتخب الوطني نفسه مثالًا مهمًا على قدرة الرياضة على جمع الناس.

ففي عام 2007، عندما فاز العراق بكأس آسيا، اجتمع العراقيون حول مناسبة وطنية مشتركة، رغم الظروف الأمنية والسياسية الصعبة التي كانت تمر بها البلاد.

ولم يكن مهمًا يومها أن يكون المشجع برشلونيًا أو مدريديًا، أو مناصرًا لنادٍ عراقي بعينه، فقد تقدمت هوية وطنية مشتركة على الانتماءات الرياضية الجزئية.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في دراسة الانتماء: كيف يستطيع الإنسان أن يتنافس بشدة مع مشجع آخر حول فريق إسباني، ثم يقف معه خلف المنتخب العراقي؟

إن الإنسان يحمل هويات متعددة، تتقدم إحداها أو تتراجع بحسب الظروف والمناسبات.

وليست المشكلة في هذا التعدد، بل في الطريقة التي يدير بها الفرد العلاقة بين انتماءاته، ومدى قدرته على الاعتراف بحق الآخرين في اختيارات مختلفة.

حادي عشر: العراقيون في الداخل والمهجر

لا تتشكل أنماط التشجيع في بيئة اجتماعية واحدة، ولا يصح النظر إلى العراقيين بوصفهم جماعة متجانسة داخل البلاد أو خارجها.

فالعراقي الذي يعيش في بغداد أو البصرة أو الموصل قد يتفاعل مع المنافسة الرياضية في ظروف تختلف عن ظروف العراقي المقيم في كندا أو أوروبا أو إحدى الدول العربية.

وتتيح الهجرة فرصة للاحتكاك بثقافات ومؤسسات وأنماط مختلفة من الحياة العامة وتنظيم المنافسة.

لكن العيش خارج العراق لا يجعل الإنسان تلقائيًا أكثر تسامحًا، كما لا يعني أن المقيمين داخل العراق أقل قدرة على قبول الاختلاف.

فالمهاجر يحمل معه خبراته وتربيته وانتماءاته، وقد تتغير بعض أنماط سلوكه مع مرور الوقت، بينما يستمر بعضها الآخر.

ومن الممكن أيضًا أن تبقى علاقته بالمجتمع العراقي قوية عبر الأسرة والأصدقاء والإعلام ووسائل التواصل، حتى بعد سنوات طويلة من الإقامة في الخارج.

ويثير ذلك سؤالًا عن أثر البيئة الاجتماعية الجديدة في طريقة التعبير عن الانتماء والخلاف.

وهذا السؤال يرتبط بدراسة المدن والهجرة، لأن الانتقال من مدينة إلى أخرى لا يعني تغيير مكان السكن فحسب، بل الدخول في شبكة جديدة من العلاقات والمؤسسات والقواعد العامة.

لكن لا يجوز الجزم بأن الهجرة نفسها تؤدي إلى تغير ثقافة التشجيع، إذ قد تؤثر عوامل أخرى مثل العمر والتعليم والتجارب الشخصية وطبيعة المجتمع المضيف.

ومن هنا فإن المقارنة بين العراقيين في الداخل والمهجر تظل مجالًا مهمًا لدراسات لاحقة، لا نتيجة يمكن تقريرها مسبقًا.

ثاني عشر: اختلاف الأجيال ومشاركة النساء

من الخطأ الحديث عن جمهور برشلونة وريال مدريد في العراق باعتباره كتلة اجتماعية واحدة.

فالأجيال التي عرفت الناديين عبر التلفزيون التقليدي تختلف في تجربتها عن الأجيال التي تابعت منافسة ميسي ورونالدو، وعن الأجيال الأصغر التي تنشأ اليوم وسط المنصات الرقمية.

وقد تتغير دوافع اختيار النادي وطرق التعبير عن الانتماء باختلاف التجربة التي عاشها كل جيل.

فقد يختار أحدهم الفريق بسبب لاعب مشهور، بينما يتأثر آخر بالعائلة أو الأصدقاء أو أسلوب اللعب أو الإنجازات.

لكن لا ينبغي أن نفترض أن فئة عمرية معينة أكثر تعصبًا من غيرها؛ فالحماس والاعتدال والتصلب يمكن أن تظهر في مختلف الأعمار.

كذلك لا يصح اختزال المشجع العراقي في صورة الرجل الجالس في المقهى أو الموجود في المدرج.

فالنساء يتابعن كرة القدم أيضًا، وإن اختلفت فرص مشاركتهن في أماكن المشاهدة العامة بحسب البيئة الاجتماعية والعادات والتقاليد.

ومن الضروري التمييز بين الاهتمام بالرياضة وبين الظهور في فضاء معين؛ فقلة الحضور العلني لا تعني بالضرورة غياب المتابعة أو ضعف الانتماء.

وتؤكد هذه الاختلافات أن التشجيع الرياضي تجربة اجتماعية متعددة الأشكال، تتأثر بالعمر والبيئة والتربية والوسائط الإعلامية وطبيعة العلاقات الاجتماعية.

ثالث عشر: هل العراق حالة استثنائية؟

توجد المنافسة بين برشلونة وريال مدريد في مجتمعات كثيرة خارج إسبانيا، بما فيها بلدان عربية تشترك مع العراق في بعض الخصائص الثقافية والاجتماعية، وتختلف عنه في تجاربها التاريخية والسياسية.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل يتميز العراق بدرجة أعلى من التعصب الرياضي، أم أن ما نلاحظه يمثل شكلًا محليًا لظاهرة عالمية؟

لا تسمح المصادر المتاحة بالإجابة عن هذا السؤال بصورة قاطعة.

فالحوادث المنشورة في الصحف لا تكفي لقياس حجم التعصب أو مقارنته بين البلدان، لأن التغطية الإعلامية تختلف في طبيعتها وكثافتها، كما تختلف طرق تسجيل الحوادث والإبلاغ عنها.

ولا تتوافر لدينا عينة وطنية ممثلة تسمح بتحديد حجم جمهور الناديين في العراق أو نسبة من يتجاوزون حدود المنافسة الرياضية.

ولهذا لا يجوز القول إن العراقيين أشد تعصبًا من غيرهم، كما لا يجوز إنكار وجود حالات تستحق الدراسة لمجرد أنها لا تمثل المجتمع كله.

والأدق أن ننظر إلى العراق باعتباره حالة اجتماعية مهمة تسمح بفحص تفاعل العولمة الرياضية مع تاريخ محلي حافل بالتحولات.

وقد تكون المقارنة المستقبلية مع الأردن والكويت ومصر والمغرب وغيرها مفيدة في تحديد ما هو مشترك بين الجماهير العربية، وما يرتبط بخصوصية كل مجتمع.

لكن الدراسة الحالية لا تدّعي إجراء هذه المقارنة، بل تكتفي بتحديد أهميتها وحدود المعرفة المتاحة.

رابع عشر: ماذا تقول الدراسات العراقية؟

شهدت السنوات الأخيرة ظهور دراسات عراقية تناولت التعصب الرياضي من زوايا مختلفة.

ففي بحث منشور عام 2025، درس ثابت بديوي عودة الباشا العلاقة بين التعصب لبعض الأندية الأوروبية والسلوك العدواني لدى طلبة كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة في جامعة المعارف بمحافظة الأنبار.

واستخدم البحث منهجًا وصفيًا ارتباطيًا، وهو ما يجعله مفيدًا في دراسة العلاقة بين الظاهرتين داخل عينة محددة، دون أن يثبت أن إحداهما سبب مباشر للأخرى.

كما نشرت مجلة لارك في تشرين الأول 2026 دراسة لصابرين أحمد عبد الحمزة وزينب محمد صالح، تناولت التعصب الرياضي من منظور اجتماعي تحليلي، وناقشت أبعاده وأشكاله وأضراره وأسبابه.

وتقدم هذه الدراسات أساسًا مهمًا لفهم بعض مظاهر التعصب في البيئة العراقية.

لكنها لا تقدم، بمفردها، تفسيرًا متكاملًا للعلاقة بين تشجيع الناديين الإسبانيين والتاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي، أو أثر الاقتصاد الإعلامي والفضاءات الحضرية والهجرة وتنوع الأجيال.

ومن هنا تأتي مساهمة هذه الدراسة النظرية، التي تحاول الجمع بين تلك الأبعاد في إطار تفسيري واحد.

ومع ذلك، فإن الجمع بينها لا يحول التفسيرات المقترحة إلى نتائج مثبتة؛ إذ يظل إثبات العلاقات السببية بحاجة إلى أبحاث ميدانية مستقلة.

خامس عشر: من فهم الظاهرة إلى معالجتها اجتماعيًا

إذا كان التعصب الرياضي نتيجة محتملة لتفاعل عوامل نفسية واجتماعية ومؤسسية وإعلامية، فإن التعامل معه لا يمكن أن يقتصر على الوعظ أو مطالبة الناس بالتوقف عن التشجيع.

فليس المطلوب إضعاف الانتماء الرياضي، بل تعزيز المعايير التي تجعله وسيلة للمتعة والتواصل بدل الخصومة.

وتبدأ هذه المعالجة من الأسرة والمدرسة، حيث يتعلم الإنسان أن المنافسة لا تلغي احترام الآخرين، وأن الخسارة لا تعني الإهانة، وأن تغيير الرأي أو الاعتراف بجدارة المنافس ليس ضعفًا.

وللإعلام الرياضي وصناع المحتوى دور مهم في هذا المجال. فالنقد الرياضي يمكن أن يكون قويًا ومثيرًا دون أن يتحول إلى إساءة شخصية أو تحريض على العداء.

كما تستطيع روابط المشجعين أن تؤدي وظيفة اجتماعية إيجابية تتجاوز مشاهدة المباريات.

ففي تشرين الثاني 2023، أعلن نادي برشلونة اعترافه الرسمي برابطتي مشجعين في كربلاء وكركوك، وأشار إلى أن أنشطتهما شملت مبادرات خيرية ورياضية ومساعدات مجتمعية.

وتمثل هذه الأنشطة مثالًا على إمكان تحويل الانتماء إلى النادي العالمي إلى عمل اجتماعي محلي يخدم الناس.

ويمكن تشجيع لقاءات وأنشطة مشتركة بين روابط مشجعي الفريقين، بحيث تكون المنافسة الرياضية مدخلًا للتعارف والتعاون، لا سببًا للعزلة والخصومة.

ومن زاوية تخطيط المدن، تبرز أهمية توفير المرافق الرياضية والفضاءات العامة الآمنة والمنظمة، التي تسمح لمختلف الفئات بالمشاركة والتفاعل.

فالمكان العام الجيد ليس مجرد مساحة مادية، بل فرصة لبناء علاقات اجتماعية، بشرط وجود إدارة مناسبة وقواعد واضحة واحترام متبادل.

كما ينبغي تطوير الرياضة العراقية من خلال تحسين إدارة الأندية والمسابقات والملاعب والأنشطة الشبابية، بما يعزز فرص المشاركة والانتماء المحلي.

ولا يتعارض ذلك مع تشجيع الأندية العالمية؛ فالهدف ليس فرض اختيار واحد على المشجعين، بل توسيع مجالات الانتماء الإيجابي.

إن معالجة التعصب ليست مسؤولية الرياضة وحدها، بل جزء من بناء ثقافة اجتماعية أوسع تحترم التعددية وتقبل الاختلاف.

سادس عشر: حدود الدراسة والاستنتاجات

تسمح الأدبيات التي استعرضناها بتأكيد أن الانتماء الرياضي ظاهرة اجتماعية تتجاوز الاهتمام بنتائج المباريات، وقد ترتبط بالهوية الجماعية والشعور بالمشاركة وتقدير الذات.

كما تؤكد المصادر وجود روابط منظمة لمشجعي الناديين في العراق، ووجود حالات منشورة تجاوز فيها الخلاف الرياضي حدوده المقبولة.

وتشير الأبحاث الاجتماعية والتاريخية إلى أن التجربة العراقية خلال العقود الماضية أثرت في العلاقات والمؤسسات والحياة العامة.

لكن هذه المعطيات لا تثبت أن الحروب أو الانقسامات السياسية تسببت مباشرة في التعصب الرياضي، ولا أنها جعلت العراقيين أكثر تعصبًا من شعوب أخرى.

كما لا تسمح بتحديد الحجم الفعلي للظاهرة أو ترتيب العوامل المؤثرة فيها بحسب أهميتها.

ولهذا ينبغي التعامل مع التفسيرات المتعلقة بأثر الحروب والثقة الاجتماعية وثقافة السلطة والحاجة إلى الانتماء بوصفها مقاربات تحليلية، لا نتائج إحصائية أو علاقات سببية مثبتة.

ويمكن تلخيص مساهمة الدراسة في النظر إلى الظاهرة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: تجربة المجتمع العراقي التاريخية، وآليات الهوية والانتماء لدى الأفراد والجماعات، والتحولات الإعلامية والاقتصادية والحضرية التي أعادت تشكيل الحياة اليومية.

ومن المهم ألا نختزل أي مستوى منها في الآخر؛ فالظاهرة لا تفسرها الحروب وحدها، ولا التسويق وحده، ولا الحاجة النفسية إلى الانتماء وحدها.

الخاتمة: من هوية الفريق إلى ثقافة العيش المشترك

بدأت هذه الدراسة بحادثة وقعت في أحد مقاهي الناصرية، حين تحول خلاف حول مباراة بين برشلونة وريال مدريد إلى نزاع استدعى تدخلًا عشائريًا.

لكن تلك الحادثة لا تختصر الصورة الأوسع للحياة الرياضية والاجتماعية في العراق.

ففي المدن العراقية، كما في مدن العالم الأخرى، يجتمع الناس لمشاهدة المباريات، ويتبادلون المزاح والآراء، ويحتفلون بالانتصارات، ثم يعودون إلى حياتهم اليومية وعلاقاتهم المشتركة.

وقد يكون المشجع الذي يختلف مع صديقه في تشجيع برشلونة أو ريال مدريد متفقًا معه في قضايا الأسرة والعمل والمدينة والوطن، وقد يقف معه في مناسبة أخرى خلف المنتخب العراقي.

وهذا يذكرنا بأن الإنسان لا يحمل هوية واحدة، وأن الاختلاف في أحد الانتماءات لا يلغي الروابط الإنسانية والاجتماعية الأخرى.

إن التنافس بين برشلونة وريال مدريد في العراق ليس دليلًا على خلل خاص في الشخصية العراقية، ولا مجرد تسلية رياضية لا تستحق الاهتمام. إنه نافذة يمكن أن ننظر من خلالها إلى حاجة الإنسان إلى الانتماء، وتأثير الجماعة في سلوكه، ودور الإعلام في تشكيل مشاعره، وطريقة تعامل المجتمع مع الاختلاف.

ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة كلها بالحروب والانقسامات، كما لا يمكن عزلها تمامًا عن التاريخ الذي عاشه العراقيون. فالتاريخ يؤثر في السلوك، لكنه لا يحكم مستقبل الناس بصورة حتمية.

وما يجعل التجربة العراقية جديرة بالتأمل ليس افتراض وجود طبيعة خاصة تدفع العراقيين إلى التعصب، بل محاولة فهم كيف تتفاعل الخبرات التاريخية مع التربية والمؤسسات والإعلام والعلاقات اليومية.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل تعلمنا تجاربنا أن الاختلاف لا يستوجب الخصومة، وأن الانتماء إلى جماعة لا يفرض العداء لجماعة أخرى؟

لا تقدم هذه الدراسة إجابة نهائية عن ذلك، لكنها تدعو إلى التفكير في الثقافة التي نريد ترسيخها في مدننا ومجتمعنا.

فالمدينة التي تتسع لمشجعي برشلونة وريال مدريد، ولأصحاب الآراء والانتماءات المختلفة، هي المدينة التي يستطيع سكانها الحفاظ على علاقاتهم الإنسانية رغم اختلافاتهم.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه هو أن قوة القناعة لا تقاس بدرجة رفض الآخرين، وأن الانتماء لا يفترض الإقصاء.

أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن ننتمي دون أن نقصي، وأن نفرح بانتصار من نحب دون أن نجرح من اختار غيره.

فليست القضية من ينتصر في مباراة، بل كيف نستطيع أن نعيش معًا بعد انتهائها.


المراجع والمصادر

أولًا: الدراسات والمراجع العلمية

  1. Al Basha, Thabet Bdiwi Odeh. “Sports Fanaticism towards Some European Football Clubs and Its Relationship with Aggressive Behavior among Their Student Fans from the College of Physical Education and Sports Sciences.” University of Anbar Sport and Physical Education Science Journal 16, no. 3 (2025): 334–349. https://doi.org/10.37655/uaspesj.2025.162402.1301.

  2. Al Ganideh, Saeb Farhan, and Linda K. Good. “Cheering for Spanish Clubs: Team Identification and Fandom of Foreign Soccer Clubs (The Case of Arab Fans).” International Journal of Sport Psychology 46, no. 4 (2015): 348–368. https://doi.org/10.7352/IJSP.2015.46.348.

  3. Branscombe, Nyla R., and Daniel L. Wann. “The Positive Social and Self Concept Consequences of Sports Team Identification.” Journal of Sport and Social Issues 15, no. 2 (1991). https://doi.org/10.1177/019372359101500202.

  4. Haddad, Fanar. Understanding ‘Sectarianism’: Sunni–Shi’a Relations in the Modern Arab World. Oxford University Press, 2020. https://doi.org/10.1093/oso/9780197510629.001.0001.

  5. Lopez-Gonzalez, Hibai, Frederic Guerrero-Solé, and Richard Haynes. “Manufacturing Conflict Narratives in Real Madrid versus Barcelona Football Matches.” International Review for the Sociology of Sport 49, no. 6 (2014): 688–706. https://doi.org/10.1177/1012690212464965.

  6. Numerato, Dino. “Sociology of Sports: Fandom.” Oxford Research Encyclopedia of Sport and Exercise. Oxford University Press, October 22, 2026. https://doi.org/10.1093/9780197852736.003.0197.

  7. عبد الحمزة، صابرين أحمد، وزينب محمد صالح. “Sports Fanaticism: A Sociological Analysis of Dimensions and Social Implications.” Lark 18, no. 4, part 2 (2026). https://doi.org/10.31185/lark.5597.

ثانيًا: الوقائع الصحفية والوثائق الرسمية

  1. وكالة فرانس برس، «نزاع عشائري عراقي بسبب برشلونة وريال مدريد»، منشور في صحيفة الأنباء، 24 أيار 2011.

  2. السومرية نيوز، تقرير عن المشاجرة المرتبطة بالكلاسيكو في قضاء الصادق بمحافظة البصرة، 11 أيار 2025، والتقرير اللاحق عن الوفاة والاعتقال، 13 أيار 2025.

  3. FC Barcelona. “Blaugrana Family Expanded with Two New Penyes in Iraq.” November 2, 2023. بيان رسمي عن روابط المشجعين في كربلاء وكركوك وأنشطتها المجتمعية.


ملاحظة منهجية: هذه دراسة نظرية تحليلية تستند إلى الأدبيات العلمية والوقائع المنشورة. ولا تتضمن نتائج بحث ميداني جديد، كما لا تعتبر العلاقة بين الحروب والتعصب الرياضي علاقة سببية مثبتة. وقد استخدمت التقارير الصحفية بوصفها مصادر للوقائع المبلغ عنها، لا بديلًا عن السجلات والأحكام القضائية.



المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الحلقة الخامسة: حين يقول الإنسان: كنت مخطئا

كلنا نعرف كيف نخطئ، فهذه طبيعة بشرية لا مشكلة فيها؛ المشكلة الحقيقية تكمن في أن نعرف كيف ننطق بالاعتراف. فهناك خطأ نرتكبه، وهناك لحظة نقرّ فيه به. وبين الاثنين مسافة قد تستغرق سنواتٍ طوالاً، أو لا تُق

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page