top of page

خاطرة الجمعة هل تغيّر الساعة العالم، أم غيّر العالم معنى الساعة؟

قبل 13 ساعة
3 دقيقة قراءة

حين نتحدث عن الوقت، نخلط أحياناً بين شيئين مختلفين: الزمن الذي تقيسه الساعة، والزمن الذي نعيشه في داخلنا. الساعة تخبرنا أن دقيقة قد مضت، لكنها لا تعرف ماذا احتوت تلك الدقيقة؛ أكانت انتظاراً طويلاً، أم لحظة فرح، أم خبراً غيّر مسار يومنا وربما مسار حياتنا؟


العقارب لا تفرّق بين دقيقة وأخرى. تمضي بالسرعة نفسها في غرفة انتظار، وفي لقاء نحب أن يطول، وفي لحظة وداع نتمنى لو توقفت عندها. لكن الإنسان لا يعيش الدقائق على هذا النحو. فالوقت عنده ليس وحدات متساوية دائماً؛ قد تمرّ ساعة من العمل من دون أن يشعر بها، وقد تثقل عليه دقائق قليلة حين ينتظر جواباً أو يخشى نتيجة. الزمن واحد في قياس الساعة، لكنه يتغير في إحساسنا به، تبعاً لما نعيشه وما نحمله في داخلنا.


ولعل الساعة لم تغيّر الزمن نفسه، لكنها غيّرت طريقة تنظيم البشر لحياتهم. فقد صار بالإمكان أن نحدد موعداً، ونقسم اليوم إلى ساعات، وننسق أعمالاً بين أشخاص وأماكن بعيدة. ساعدنا ذلك على تنظيم الحياة، لكنه جعلنا أيضاً أكثر خضوعاً للتوقيت: نسرع لأن موعداً يقترب، ونؤجل لأن جدولنا لا يتسع، ونقيس اليوم بما أنجزناه فيه. وهكذا لم تعد الساعة أداة نرجع إليها لنعرف الوقت فقط؛ بل أصبحت حاضرة في قراراتنا، وفي شعورنا بالاستعجال، وأحياناً في حكمنا على أنفسنا والآخرين.


نقول: ليس لدي وقت. وقد نعني بذلك أن اليوم مزدحم، أو أن أولوياتنا كثيرة، أو أننا لم نمنح بعض الأمور مكاناً في جدولنا. فالوقت لا يُوزع علينا وحده؛ نحن نوزع جانباً كبيراً منه باختياراتنا، وإن لم نكن دائماً واعين بما نختار. ما نعود إليه كل يوم يأخذ من انتباهنا، وما نمنحه انتباهنا يقتطع شيئاً من أعمارنا. وإذا استمررنا في تكرار فعل أو عادة، فقد يصبح جزءاً من طريقة عيشنا، ثم جزءاً من صورتنا عن أنفسنا.


لكن ليس كل ما نفعله يمكن اختزاله في إنتاج أو إنجاز. ثمة أوقات لا تبدو نافعة بمقاييس العمل، لكنها ضرورية للحياة: حديث صادق مع صديق، وجلوس هادئ مع العائلة، وقراءة نعود بعدها إلى أنفسنا بوعي أوسع، أو وقت نمنحه لشخص يحتاج إلى حضورنا. قد لا يظهر أثر هذه الساعات في قائمة الأعمال المنجزة، لكنه يبقى في الذاكرة، وفي علاقتنا بمن حولنا، وفي المعنى الذي نعطيه لأيامنا.


ومن هنا تبدو المفارقة: الساعة تستطيع أن تخبرنا كم مضى من الزمن، لكنها تعجز عن أن تخبرنا كم بقي منه فينا. فهي تعدّ الساعات، أما نحن فنحمل آثارها. بعض ما مضى يترك حكمة، وبعضه يترك ندماً أو حنيناً، وبعض اللحظات تمضي سريعاً لكنها تبقى واضحة في الذاكرة سنوات طويلة. وقد تمر أعوام كاملة لا نستطيع أن نستعيد منها إلا القليل، بينما تعود إلينا لحظة واحدة بتفاصيلها كأنها حدثت بالأمس.


ربما لا يكون السؤال الأهم: كم مضى من العمر؟ ولا: كم بقي منه؟ فالإجابة عن السؤال الثاني ليست في يدنا. لكن يمكننا أن نسأل: كيف نعيش الوقت المتاح لنا؟ وما الذي يستحق أن نعطيه انتباهنا؟ هل نختار أمورنا بوعي، أم نترك العجلة والواجبات اليومية تختار عنا؟ وهل نمنح وقتنا لما نراه مهماً حقاً، أم لما يفرض نفسه علينا لأنه أكثر إلحاحاً؟


لا نستطيع إيقاف العقارب، ولا استعادة ما مضى، لكن يمكننا أن نراجع علاقتنا بالوقت. أن نخفف من العجلة حين لا ضرورة لها، وأن ننتبه إلى ما نكرره، وأن نترك مساحة لما يجعل الحياة أوسع من جدول المواعيد. فالوقت لا يصبح ثميناً لمجرد أننا نعدّ دقائقه، بل حين نعرف ما الذي نريد أن نضعه فيها، وما الذي نريد أن يبقى منها فينا.


الساعة تحصي ما مضى، أما الحياة فتُقاس بما تركه الزمن فينا، وبما اخترنا أن نمنحه من أعمارنا.


نُشرت هذه الخاطرة في مدونة الدكتور علاء التميمي:

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الحلقة الخامسة: حين يقول الإنسان: كنت مخطئا

كلنا نعرف كيف نخطئ، فهذه طبيعة بشرية لا مشكلة فيها؛ المشكلة الحقيقية تكمن في أن نعرف كيف ننطق بالاعتراف. فهناك خطأ نرتكبه، وهناك لحظة نقرّ فيه به. وبين الاثنين مسافة قد تستغرق سنواتٍ طوالاً، أو لا تُق

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page